مركب واحد !
يهمُّ اللبنانييّن جداً الاسراع في تشكيل الحكومة القادرة على العمل والخالية من الغام التعطيل والتأزيم، لأن مهمّات مستعجلة تنتظرها على أحرّ من الجمر، داخليّاً وخارجيّاً.
ولأن المنطقة تبدو هذه الأيام كقدر يغلي فوق نار حامية. وتكراراً، لا بدَّ من التذكير بأن لبنان هو في قلب هذه المنطقة، مثلما هي ومشاكلها في قلبه.
من طهران التي احتلت صدارة الاهتمامات مرة أخرى، الى فلسطين حيث تتناسل الازمات وتتكاثر وتتناثر، وحيث فشلت أميركا باراك أوباما بدورها وحتى اللحظة في اقناع اسرائيل بحل الدولتين، أو بالتسوية الشاملة على أساس المبادرة العربية، أو بأٍّيِّ حل.
وحيث المستوطنات تنبت كالفطر مع كل صباح في أرجاء القدس والضفة الغربيَّة.
ودائماً وأبداً، مروراً بالعراق والعراقات الأخرى في الشرق القصي، ومجدداً باليمن السعيد، ثم الانعطاف كالعادة في اتجاه الحدود الجنوبيَّة للبنان، ودونما حاجة الى أي تفسير أو تعليق.
أجل، يهمُّ اللبنانييّن ان ينجز تشكيل الحكومة ولتنصرف فوراً الى معالجة الاختلالات والاعوجاجات، في كل الدولة وكل المؤسسات، وكل البلد، وكل شيء.
ومن هموم الناس تنطلق. من غول الكهرباء الذي غلب كل عهود وحكومات ما بعد الحرب، والتهم مليارات الدولارات من غير ان يدري الناس كيف وفي أية رجمة ضاعت، الى الماء الذي نادراً ما يزور بيوت المعتّرين، الى الطرق المحلية والدولية والداخلية على حد سواء، الى تراكم الدين، وتراكم البطالة بعد الانهيار المالي الذي ضرب العالم.
وهذا غيضُ من فيض.
وهذا كله سيكون في استقبال الحكومة العتيدة التي، وإن تكن سياسية، عليها ان توجه عنايتها وعينها صوب الإنماء والإعمار والإصلاح.
وعليها قبل ذلك كله تنمية الشعور بالامل والثقة والطمأنينة لدي الناس الذين أعادهم تكليف سعد الحريري بشكل أو بآخر الى سنة 1992، يوم كُلِّف رفيق الحريري تشكيل الحكومة الاولى، أو حكومة ما بعد الحرب والطائف، والتي انتقلت بلبنان من حصار الموت والدمار والتسيُّب الى الورشة الكبرى الشاملة، التي كان عليها اعادة بناء البشر والحجر والأمل والأمان…
كثيرة هي المشاريع والمواضيع التي ستكون في استقبال حكومة سعد الحريري، وخصوصاً على مستوى الاستقرار ومواصلة عملية نزع الفتائل والالغام وتوسيع حركة المصالحات في كل الاتجاهات.
أما على الصعيد الخارجي، فالصورة تكاد تنطق وتتحدَّث عن حالها بحالها.
ومعهم حق الذين يتحدَّثون عن التحدّيات الكبرى، والاستحقاقات الداهمة، والتطورات الملتهبة على جبهات شتى، فضلاً عن احتمالات المواجهة بين اسرائيل وايران… وحجم انعكاساتها على البيدر اللبناني والساحة المفتوحة لكل التطورات، والتي لن تكون بمنأى عما يحدث.
وعما سيحصل، سواء على تخوم الوطن الصغير، أو في البعيد الذي لن يلبث أن يصير في الحضن اللبناني.
تعيدنا هذه الكلمات وهذه التصورات الى المقولة التاريخيَّة لرئيس البنك الدولي السابق جيمس ولفنسون الذي نصح اللبنانيّين، قبيل مؤتمر باريس، بالتضامن في ما بينهم، لأنهم جميعهم في مركب واحد. واذا ما تعرّض هذا المركب للغرق فلن ينجو أحد.
فليكن التأليف والتلحين والتوزير إذاً على هذا الأساس، وفي ضوء هذه الحقائق والوقائع.