#adsense

أطلال” العروبة و”المتعوْربين”!! عندما اخترع “الموارنة” نظرية “العروبة”

حجم الخط

أطلال" العروبة و"المتعوْربين"!! عندما اخترع "الموارنة" نظرية "العروبة" 1/3…

لم تكن "العروبة" حكاية يحكيها لنا أهلونا قبل النوم، ولم يربونا عليها كـ"دين" خلقنا مفطورين عليه بل لم يكونوا أصلاً يميزون أن العروبة تفصل الدين – "الإسلام"، عن "القومية" ولو عرفوا أن "القومية العربية" نادت بضرورة فصل الدين عن الدولة، لما ساروا في ركابها أبداً!!

وجيلنا تحديداً الذي شاهد جيل آبائه يعيش مرارة خيبات الهزائم المتتالية مظللة بشعارات "العروبة"، جيلنا استخدم عقله وطرح الأسئلة على أهله ولم يلقَ أجوبة عليها حتى اليوم (نطرحها غداً)، فيما جيل آبائنا جرفته عواطفه الجياشة تحت عناوين فضفاضة وملتبسة من المحيط إلى الخليج وثبت فشلها بعد سقوط أول وحدة مصطنعة بوقت قصير، عندما كشّرت الشعارات عن أنيابها فغيبت "العروبة" ليحل محلّها مشروع "مصرنة" سورية فانهارت أوهام ما تولّى عبد الحليم حافظ مهمة التنظير له غناءً: "الوحدة الكبرى" و"الوطن الأكبر"…

هذه "العروبة" – مع تحفّظي الشديد على المصطلح نفسه – التي تم حَرفها عن مسارها الحقيقي الفكري يوم ولدت كنظرية في وجه الخلافة العثمانيّة )آخر خلافة إسلامية(، وأسّست خروجها من مأزق هويتها الدينية الملتبسة بين المسلمين والمسيحيين، على نزعة "عرقية" حملت عنوان: "القومية العربية"، وساعدها في ذلك نزعة عرقية أخرى حملت عنوان "التتريك" التي قادتها جمعية "تركيا الفتاة"، لم تتجاوز القومية العربية كونها "نزعة" لا فكراً، عملياً لم تكن – من وجهة نظري – أكثر من بازل تم تركيبه ليتنازع على مساحته "العرقين )المسلميْن( العربي والطوراني" ليس أكثر…

وللمناسبة المنظر الأصلي لفكرة "القومية العربية" هو مواطن لبناني ماروني ومن أبناء "عازور" في جزين، وهو المؤسس لهذه النظرية – وللمفارقة – في كتاب وضعه باللغة الفرنسية، ففي العام 1905 ألف نجيب عازوري السياسي والمفكر اللبناني كتابه الشهير "يقظة الأمة العربية" وبشّر فيه بزوال الحكم العثماني لانسداد الأفق التاريخي في وجهه وإمعانه في قهر إرادة شعوب الإمبراطورية العثمانية وعلى رأسهم العرب..

وعندما أطاحت ثورة 1908 بالسلطان عبد الحميد الثاني لم يكن الصراع بين العرب والعثمانيين قد حسم، وسقطت الهدنة التي صدرت بعد إعلان الدستور العثماني وأنقض الأتراك على خصومهم من العرب، فصدر بحق عازوري حكم بالإعدام فرّ على أثره إلى القاهرة وأصدر هناك جريدة "مصر" باللغة الفرنسية.. وأكثر ما يستوقفني في هذا الرجل أنه أنشأ "محفلاً ماسونياً" بطقس اسكتلندي يهدف إلى تحرير الأمة؟ وقد سمعنا وقرأنا لكثيرين من روّاد الإصلاح في القرن التاسع عشر وبينهم اثنان من الأسماء "الطنانة الرنانة" عند المسلمين، وهما جمال الدين الأفغاني وتلميذه "محمد عبده" الذي حمل لقب "الإمام" وشغل لاحقاً منصب مفتي الديار المصرية وقد دوّن بنفسه انضمامه ومفارقته لأحد المحافل الماسونية "الناشطة" في تلك الحقبة التاريخية..

غير أن أكبر دور لعبه نجيب عازوري هو تأسسيه لحزب قومي عربي أسماه حزب (جامعة الوطن العربي) في عام 1904، وتقول الدكتورة زاهية قدورة في تقديمها لكتاب عازوري، وجيلها قد نظر بقدسية لكتابه وفكرته، بل واعتبره صاحب رؤية عميقة وبعيدة إذ تحدّث في العام 1905 عن الصراع الذي سيقرر مصير العالم بين "العرب" و"اليهود" – ولا أعرف إن كان دخول القنبلة النووية الإيرانية على الخط "فركش" رؤيته – ولنقرأ معها في مقدمتها ومن كتابه هذه الفقرة التي رسمت مبكراً خارطة العالم العربي:

"في جميع كتاباته ) عازوري( يركز على ضرورة وعي العرب لقوميتهم وعلى ضرورة فصل الدين عن الدولة بإقامة خليفة لكل المسلمين من سلالة النبي، وهو أيضاً يدعو إلى اللامركزية واحترام الحكم الذاتي في لبنان، والأماكن المقدسة، والإمارات المستقلة في اليمن.. لقد رأى آنذاك "أن تحولاً كبيراً وهادئاً على وشك الحدوث في تركيا"، وهو يقصد وعي العرب لتجانسيّتهم القومية التاريخية والعنصرية ورغبتهم في الانفصال عن الدولة العثمانية وإقامة دول مستقلة، رأى أنها ستمتد ضمن حدودها الطبيعية من وادي دجلة والفرات حتى قناة السويس ومن البحر الأبيض المتوسط حتى بحر عمان.. أما ولاية الحجاز ومنطقة المدينة المنورة فقد دعا إلى إقامة إمبراطورية مستقلة فيهما، ويرى نجيب عازوري أن فلسطين التي سعى اليهود لإقامتها أكثر اتساعاً من التي امتلكوها في مختلف مراحل وجودهم التاريخي كما أن فلسطين لم تأوِ حتى في عهد ملوكها الأقوياء شعباً واحداً فقط يحكي اللغة ذاتها وله الأصول نفسها".. وأكثر ما يستوقفك أن عازوري قرر للقدس وضعاً خاصاً فجعلها "سنجقاً" مستقلاً، كذاك الذي كان حاكماً له أيام الخلافة العثمانية ويوم كان من كبار موظفيها..".

ونحيل كل الواقفين اليوم على "رسم العروبة الذي درس" أن يجلسوا، ويتذكروا أن الموارنة هم الذين "بدعوا" أو "ابتدعوا" لهم نظرية "العروبة" التي يتباكون على أطلالها كلما عاد تموز/ يوليو..

غداً 2/3: ستينات عبد الناصر: من القومية العربية إلى العروبة

المصدر:
الشرق

خبر عاجل