كلام الوقاحة !
أين هو "التقدم الجيد" الذي أحرزته محادثات المبعوث الأميركي جورج ميتشل في اسرائيل على ما أعلن بعد لقائه مع بنيامين نتنياهو؟
نعرف ان الوسطاء لا يبشّرون عادة بالسلبية او باليأس، ولكن اذا كان ميتشل يتطلع الى مواصلة مهمته لكي يتقدم الى "نقطة يمكن ان نتقدم منها الى الامام للتوصل الى اتفاق شامل"، فليس عليه الا ان يبقى في تل ابيب حيث تكمن العقدة ويستوطن الداء الذي اغرق الشرق الاوسط في النزاعات والحروب ورسم اطاراً نافراً لسياسة الانحياز الاميركية البشعة.
لقد كان مثيراً تماماً، ان تنتهي جولة المبعوث ميتشل بما يمكن ان نسميه ميلاً الى ليّ ذراع العرب اجمعين، بعدما عجز عن انتزاع موافقة تل ابيب على وقف الاستيطان كمقدمة لاحياء خارطة الطريق بما يمهد ربما لانعقاد مؤتمر السلام الذي ينوي الرئيس اوباما الدعوة اليه.
يكفي في هذا السياق ان يقرأ المرء بتمعن تصريحاته بعد لقائه مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، حيث دعا جميع الاطراف الى اتخاذ خطوات "بعضها صعب وبعضها مثير للجدل بالنسبة الى الدول العربية"! وقد جاء هذا الكلام موازياً للاعلان الاميركي عن سبع رسائل وجهها أوباما الى سبع دول عربية، يدعوها صراحة الى الانخراط في التطبيع مع اسرائيل، رغم تشديد العرب تكراراً على ان التطبيع هو خطوة تأتي بعد الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي المحتلة، تنفيذاً لمبدأ "الارض في مقابل السلام" الذي شكل أساساً لـ"مؤتمر مدريد"، ويشكل شرطاً لأي تسوية على المسارات الفلسطينية والسورية واللبنانية.
***
ربما على اوباما ان يستعير عقلاً عربياً، وربما على ميتشل ان ينشط جذور عقله اللبناني ، لكي يدركا ان مطالبة العرب بـ"التطبيع" قبل الانسحاب تعني مطالبتهم بما يشبه الخيانة الكاملة، اي التخلي عن كل الاوراق واعطاء الاحتلال الاسرائيلي الشرعية الاقليمية، وهو أمر لن يحصل قط، حتى ولو بدقيقة واحدة قبل الانسحاب الكامل وقيام الدولة الفلسطينية.
واذا كان على الفلسطينيين تحسين قواتهم الامنية لمواجهة التحريض على اسرائيل، وعدم الادلاء بأي تصريحات او القيام بأعمال تعرقل التحرك في اتجاه مفاوضات ناجحة، كما يقول ميتشل، فإن من السهل على "الذئب الاسرائيلي" ان يجد دائماً ان "ليلى الفلسطينية" هي التي عكّرت المياه. ثم ان وقف التحريض والامتناع عن الادلاء بالتصريحات، يعني ان على أهل "الفيتو الفلسطيني" ان يكونوا في الاستسلام والصمت… والعدم!
***
لا ندري لماذا يجد ميتشل ان على الفلسطينيين الامتناع عن الادلاء بتصريحات معرقلة، ولم يتوقف عند فجاجة تصريح شمعون بيريس امامه عندما قال له:
"لقد أصغيت جيداً الى تصريحاتك في سوريا. وموقفي واضح: على سوريا القدوم واجراء مفاوضات مباشرة وجهاً لوجه: ليس ثمة بديل من هذا. اذا كانوا يريدون السلام فهذا هو الطريق"!
هذا الكلام يطعن في جوهر مهمة ميتشل كوسيط، والادهى انه يقوم على فظاظة تشبه التهدج في صوت بيريس نفسه، الذي يحاول املاء شروط واجبة على سوريا بالقول: "عليهم كذا"… "ولا بديل من كذا"!
لم يردّ ميتشل بكلمة. ربما لم يجد ان بيريس يعرقل الخطوات الى المفاوضات عندما يتحدث بهذه الطريقة الغبية التي زاد من فظاظتها مواصلة النبرة الآمرة، عندما انتقل الى الحديث عن المملكة العربية السعودية فقال:
"من أجل ان تكون هناك أهمية لمبادرتهم، على السعوديين ألاّ يكتفوا بالكلام فقط. عليهم ان يقدموا على خطوات عملية"!
هذا كلام الوقاحة. وهو يستحق من اوباما وميتشل موقفاً يتجاوز الرد بالدعوة مثلاً الى الامتناع عن الادلاء بتصريحات تعيق محاولات احياء عملية التسوية. لأن بيريس يحاول ضمناً ان يلقي جانباً بـ"المبادرة العربية للسلام" التي سبق ان اقترحها خادم الحرمين الشريفين في قمة بيروت، وأعيد تبنيها في القمم العربية اللاحقة، وهي المبادرة التي قيل إن خطة اوباما للتسوية تقوم في جزء منها على بعض البنود الواردة فيها.
ثم، اذا كانت السعودية قد وضعت مبادرة لاقت الاجماع العربي، وشكلت افقاً وإطاراً واضحاً للتسوية القائمة على مبدأ "الارض في مقابل السلام" والقرارات الدولية ذات الصلة، فإن الصلف الاسرائيلي اهمل هذه المبادرة ورفضها منذ سبعة اعوام.
وكان من الطبيعي ان ترد الرياض امس على رسالة اوباما بشأن التطبيع مؤكدة موقفها المعروف بان الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الاراضي العربية هو شرط اساسي وضروري للدخول في التسوية.
ها هو بيريس يتسلق جدار الغطرسة والوقاحة، عندما يخاطب السعوديين والسوريين واستطراداً العرب اجمعين، بهذا المنطق الداعي الى الزحف للاستسلام والتطبيع مع اسرائيل التي عجزت وساطة ميتشل و"ضغوط" اوباما حتى الآن، عن منعها ولو من وقف بناء حجر في مستوطنة تبتلع ارض الفلسطينيين.
بيريس يطالب السعوديين والسوريين والفلسطينيين بخطوات عملية؟
كان على ميتشل الانسجام مع نفسه فيرد مباشرة على مثل هذا التنمّر، على الاقل لأن صحيفة الـ"نيويورك تايمز" واكبت جولته بكلام واقعي وصحيح:
"من دون تجميد تام للاستيطان يستطيع اوباما ان يلقي بالتسوية في سلة القمامة".