الاكتفاء برفض التوطين لا يمنع حصوله كأمر واقع
وجوب إقامة دولة فلسطينية أو رفض توقيع سلام شامل
إذا كان خطر التوطين يهدد لبنان فعلاً كما يرى عدد من الزعماء والسياسيين، فان درء هذا الخطر لا يكون بتكرار الاعلان عن رفضه، بل باقتراح الاجراءات الكفيلة بمنعه، ومن هذه الاجراءات مساندة عربية ودولية للجهود التي تبذلها ادارة الرئيس الاميركي باراك أوباما من أجل اقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة تعيش الى جانب الدولة الاسرائيلية، وانه اذا كان الخلاف على الاستيطان يعرقل قيام الدولة الفلسطينية، فان بعض الديبلوماسيين يقترحون تجميد هذا الاستيطان الى أن يتم الاتفاق على ترسيم الحدود النهائية لكلا الدولتين. وكما صار الاعتراف بوجود الدولة الاسرائيلية من دون ان تصبح حدودها النهائية معروفة، وظلت هذه الحدود متحركة منذ قيامها، فانه يمكن الاعتراف بقيام الدولة الفلسطينية ضمن حدود موقتة لها.
لقد كان ابو عمار رحمه الله، يقول أريد قطعة أرض في فلسطين ارفع عليها علم الدولة الفلسطينية: فما المانع من اعتراف عربي ودولي بهذه الدولة ولو بحدود موقتة حتى ولو لم تعترف بها دولة اسرائيل، كما لا تعترف دول عربية بهذه الدولة. وما المانع أيضاً من الأخذ باقتراح وزير خارجية الاتحاد الاوروبي خافيير سولانا حلاً يقوم على اعتراف مجلس الأمن بدولة فلسطينية باعتباره يمثل أعلى سلطة تنفيذية للمجموعة الدولية، وجعل فلسطين عضواً في الامم المتحدة مثلما جعل قرار التقسيم من اسرائيل عضواً سنة 1947، وماذا يمنع جامعة الدول العربية من اللجوء الى الجمعية العمومية للأم المتحدة بطلب التصويت على قرار قبول فلسطين عضواً فيها، اذ ليس ما يحول دون التوطين سوى اقامة دولة فلسطينية بحيث يصبح فلسطينيو الشتات رعايا في الدول التي يقيمون فيها ويعاملون كما تعامل الرعايا العرب في دول العالم، وان في استطاعة الولايات المتحدة الاميركية بمساندة الاتحاد الاوروبي وروسيا والدول العربية اقامة الدولة الفلسطينية وتجميد بناء المستوطنات موقتاً ريثما يتم الاتفاق على اقامتها وترسيم حدودها بالتفاوض، فاذا ظلت حكومة نتنياهو ترفض ذلك، فما على هذه الدول سوى ان تفرض عليها عقوبات اقتصادية وتطبق قانون المقاطعة ضدها، ولا سيما قطع المساعدات المالية والعسكرية الاميركية لإرغامها على القبول بحل الدولتين الذي تصر ادارة الرئيس اوباما عليه، ولا يكون هذا الموقف الاميركي الصارم جديداً في التعامل مع حكومة اسرائيلية عندما تواجهه بالرفض. فقد سبق ان أمر الرئيس ايزنهاور حكومة بن غوريون بسحب قواتها من سيناء بعد العدوان الثلاثي على مصر فاذعنت له، ولما رفضت حكومة اسحق شامير حضور مؤتمر مدريد واستمرت في بناء المستوطنات هددته ادارة الرئيس جورج بوش الاب بحرمانه مساعدات بقيمة عشرة مليارات دولار، فاضطرت تلك الحكومة الى التراجع عن موقفها وحضرت ذاك المؤتمر. وان كان اسحق شامير نجح في العمل بقوله ان مفاوضات السلام على اساس مبادئ مؤتمر مدريد سوف تستمر اكثر من عشر سنين، وهو ما حصل فعلاً، فظلت تلك المبادئ حبراً على ورق…
ويمكن من جهة أخرى، توصلاً الى منع التوطين وعدم الاكتفاء بتكرار رفضه، مطالبة جامعة الدول العربية باتخاذ قرار على مستوى الملوك والرؤساء يقضي برفض توقيع اتفاق سلام شامل مع اسرائيل وتطبيع العلاقات معها تطبيعاً كاملاً، ما لم توافق على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم وتطبيق القرار 194 بهذا الشأن. وعندما يصدر مثل هذا القرار عن قمة عربية، فانه يضع اسرائيل بين خيارين: اما القبول بقيام دولة فلسطينية، يشكل قيامها اول خطوة مهمة على طريق حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، او القبول بحق العودة شرطاً لتوقيع اتفاق سلام معها ينهي الصراع العربي – الاسرائيلي.
الواقع ان اسرائيل لا يهمها ما يحدثه التوطين من تداعيات في الدول المضيفة ولا سيما لبنان الذي لا تسمح له جغرافيته ولا ديموغرافيته تحمل اعباء هذا التوطين، كما لا يهمها ان يؤدي التوطين المرفوض في الدستور اللبناني الى تقسيم لبنان وتجزئته، لأنها ترحب بذلك اذ لا يعود لبنان البلد النموذجي في التعايش او العيش المشترك بين مختلف المذاهب والطوائف فيه.
ان رفض اسرائيل حق عودة اللاجئين الفلسطينيين تجمع عليه كل الاحزاب الاسرائيلية اليسارية واليمينية. فرئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو اعلن ويعلن انه يرفض رفضاً مطلقاً هذه العودة، وبدأ ترحيل السكان العرب من القدس وبناء المستوطنات فيها فوق املاك الفلسطينيين، ويهود باراك يقول ايضاً انه يرفض عودة اللاجئين "وليسكنوا حيث هم ولتعط لهم جنسية البلد الذي يقيمون فيه"… ووضعت مشاريع عدة لتوزيعهم على عدد من الدول العربية والاجنبية منها ليبيا والعراق وكندا واوستراليا مع تحميل لبنان جزءاً منهم. ورئيس وزراء اسرائيل السابق ايهود اولمرت قال لمحمود عباس: "انس حق العودة وتدبر شؤون المخيمات في لبنان فهي باقية هناك"!!
وكان عباس نفسه قد نصح الدول العربية باستيعاب الفلسطينيين وتركهم ينخرطون في الحياة اليومية واعطائهم الجنسية اذا أمكن، لأن اسرائيل التي تهجر اهل القدس تريد ان تقضي على حلم العودة…
الى ذلك، فان الاسرائيليين لا يكتفون برفض حق العودة، بل يعملون على منعه بموقف داخلي موحد، فيما اللبنانيون المجمعون على رفض التوطين يكتفون بالقول ان الدستور اللبناني يمنع التوطين من دون الاتفاق على الاجراءات الواجب اتخاذها لفرض هذا المنع، ليس من قبل اللبنانيين وحدهم، لأن المسألة تخص كل العرب وينبغي اشراك كل الدول المعنية بمعالجة هذه المسألة التي هي مشكلة شرق اوسطية، وهذا ما يجعل خطر التوطين جدياً بصرف النظر عن استخدامه سياسياً في الصراعات بين الزعماء اللبنانيين، وليس مجرد عبارة في مقدمة الدستور كافية لمنع التوطين، بل ينبغي الانتقال من مرحلة الرفض الى مرحلة المنع وذلك باستخدام كل الوسائل الضاغطة وكل الصداقات مع عواصم القرار توصلاً الى رؤية استراتيجية وامكانات عربية، لأن هذه الرؤية ليست مسؤولية لبنانية ولا فلسطينية فقط بل مسؤولية عربية ودولية، تحدد الخيارات العسكرية بمختلف اشكالها بما فيها المقاومة، او السياسية والديبلوماسية، التي توصل الى حل يفرض حق العودة ولا يكتفي برفض التوطين…