#adsense

لبنان والموارنة والعروبة في مهب الستينيات 2/3

حجم الخط

لبنان والموارنة والعروبة في مهب الستينيات 2/3

خمد الحديث عن القومية العربية بعيد سقوط الخلافة العثمانية وحلول الانتداب محلها، وكانت الأربعينيات والخمسينيات مرحلة استقلال الدولة، ومع مجيء جمال عبد الناصر إلى السلطة في مصر عاد المصطلح إلى الظهور بمسمّى جديد:" العروبة"..وكانت مصر قد عرفت في غضون القرن الماضي، حوارات حول هويّتها السياسية والاجتماعية، أكثر من مرة، كان ذلك في الثلاثينيات والخمسينيات ثم السبعينيات، كان جدل الهوية الملتبسة سهل الحلّ ويتيح التمدد والتدخل في كل دول العالم العربي، وكانت تهمة ذاك العصر "الإمبريالية" و"الرجعية".. ولبنان نموذج فريد فبقدر ما هو شديد التأثير ومخيف في حريته لأنه ناقل للعدوى، هو أيضاً هشّ وسريع التأثر، كان "المسلمون" في لبنان كما في بلدان كثيرة يبحثون عن بديل لصلاح الدين، يستعيد فلسطين والقدس من جديد، ولم يتأخر عبد الناصر في رفع القدس وفلسطين شعاراً – مفتاحاً سحرياً فتح له أبواب قلوب تحسب السياسة بمشاعرها.. ولن نحصل على قراءة تاريخية مجرّدة من الأهواء لحقبة عبد الناصر ومشروع "العروبة" ذاك إلا بعد مرور قرن من الزمن، بعد أن ينتفي وجود الطرفين المتهم له والمدافع عنه فكلاهما محكوم بذيول التجربة النفسية..

فثورة 23 يوليو (تموز) قامت عام 1952من دون أي إدّعاء بالعمل من أجل أية قضية عربية، وكانت الأهداف الستة للثورة المصرية الّتي أُعلنت حين قيامها خالية تماماً من أي موضوع عربي وتمحورت جميعها على القضايا الداخلية المصرية. ولم يظهر البُعد العربي إلاّ بعد تأميم قناة السويس ثمَّ العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.. من يومها أصيب العقل العربي بنكسة عظمى فتمحور حول الشخص، فصارت العروبة شخص، ومصر شخص، والعالم العربي شخص، لهذا انهار كل هذا العالم يوم انهزم الشخص ولم يكن متاحاً تحويل الهزيمة إلى نصر ما..

وجاءت تجربة الوحدة بين مصر وسورية عام 1958 لتكشف عُري الـ"دعوة" إلى الوحدة وارتجاليتها، بل من كان يُنادي بها لم يكن يُعدّ لها سوى الخطابات التي تثير الجماهير، فالشعوب العربية لكل منها خصوصيته ومن الصعب على حكم عسكري مهما كان شعاره أن يُذيب كل الشعوب ليجعل منها "نمطاً" أو نموذجاً واحداً !! تمرّد الموارنة في لبنان على كاريزما الرجل وسعيه الدؤوب للسيطرة على لبنان وبلغت سيطرة شخصيته على قسم من اللبنانيين مبلغاً مخيفاً، نجح الأمر في سورية فحدثت الوحدة تحت الضغط الشعبي ثم فوجىء السوريون بالمصريين يتحكمون بهم في وطنهم إلى أن جاء يوم 28/9/1961، واستعادت سورية زمام أمرها، وخرجت "العروبة" من هناك لتقفز مباشرة إلى اليمن!!

سنة 1962 ومع تورط الجيش المصري في اليمن لنشر " المد الثوري"، ومحاربة الأنظمة الملكية، والتي كان يُطْلِقُ عليها وقتها (الأنظمة الرجعية). ففي 26 أيلول سنة 1962 قامت الثورة في اليمن، ثم تطور الأمر سريعاً؛ ففي 29 أيلول 1962 انشغل الشارع المصري بالحديث عن مساعدة ثورة اليمن حتى وصل حجم القوات المصرية في اليمن إلى 130 ألف جندي، وتحوّلت حربها إلى حرب استنزاف مفتوحة وقاسية، ليس فقط لاقتصاد مصر، ولكن أيضاً لقواتها المسلحة، التي نسيت قتال الجيوش لتنغمس لمدة ست سنوات كاملة في حرب عصابات، وبذلك فقدت كفاءتها العسكرية.. ويُرجع مؤرخون السبب في تورط عبد الناصر في حرب اليمن إلى إرادة تغطية فشل مشروع الوحدة مع سورية ولإيجاد موطئ قدم لمصر الثورية في اليمن، تمهيداً لنشر الثورة وأفكارها في السعودية وما حولهما من إمارات الخليج الغنية بالبترول.

نشر الباحث الإسرائيلى يوحاى سيلع، المتخصص بشؤون الشرق الأوسط، )عمل بعدة جامعات من بينها جامعة أوكسفورد وجامعة هارفارد( بحثاً يقول فيه: إن الشخصين المسؤولين عن هزيمة مصر فى حرب حزيران هما الصحافي محمد حسنين هيكل والمذيع أحمد سعيد، طبعاً هذه مبالغة ساخرة جداً، ولكنهما كانا من أسبابها..

فأما هيكل؛ فلم يتغيّر ومازال يُمارس نشاطه الترويجي إنما لأنظمة أخرى ومن على منبر إعلامي متناقض مع نفسه فهو الصديق الحميم للضدين في وقت واحد: العدو الإسرائيلي والمقاومة.. ولا يحتاج الأمر الى أكثر من قراءة بسيطة لكلام هيكل في مقالاته في ستينيات القرن الماضي لنعرف بأي عقل كانت تُدار المنطقة: "العالم العربي، بقيادة عبد الناصر، سيهزم إسرائيل فى نهاية الأمر"، وكتب يبرر التورط المصري فى اليمن بأنه "فرصة جيدة للتدريب العسكري وإفراز قادة جدد للعسكرية الخارقة"، "النصر لن يتحقق للعرب إلاّ تحت قيادة عبد الناصر".. وفى 2 يونيو (حزيران) 1967 كتب هيكل قبل الهزيمة "بيومين" والتي أسماها "نكسة": "أياً ما سيكون، ودون محاولة توقع الأحداث قبل وقوعها، فلا شك أن إسرائيل تقف على حافة الانهيار سواء من الداخل أو الخارج".

أما أحمد سعيد الذي ألف عن الناصرية كتاباً صدر بالقاهرة عام 1959، وصف فيه عبد الناصر بأنه باعث القومية العربية، وشبهه بجمال الدين الأفغانى الذى يوصف بأنه باعث حركة الإحياء الإسلامى!! فكان يدير العقل العربي عبر إذاعة "صوت العرب من القاهرة"، ولم يتردد فى التهديد والتحريض على قتل وتصفية وتدمير كل الزعماء والحكام العرب الذين كانوا يعارضون عبد الناصر، أو أولئك الذين أبدوا ميلاً للتحالف مع الغرب، وعقب الهزيمة بدأ أحمد سعيد فى الحديث عن عبد الناصر بصفته "الزعيم السابق"، بل إنه قال بعد إعلان عبد الناصر لتنحيه: يذهب الأشخاص وتبقى الدول، وبعد شهور قليلة من تراجع عبد الناصر عن استقالته، تم طرد أحمد سعيد من إدارة إذاعة صوت العرب..

بعد كل هذه الأعوام، المصريون تعلموا من درس التمدد وزج جيشهم إلى حيث لا يجب، إنما صدام حسين لم يتعلم، وكثير في لبنان لم يتعلموا، وبعضهم مصاب بـ"كريزة" حنين إلى شبابه بعدما اشتعل شيب رأسه، ولكن.. عجلة التاريخ لا تعود إلى الوراء، وما أشبه الأمس باليوم، سواء جاءت التجربة من مصر أو من إيران.. بصورة ما التاريخ يجتر نفسه، و"المتعَوْربين" أيضاً..

المصدر:
الشرق

خبر عاجل