ميشال سليمان..والوزنات الجديدة !
في زمن المصالحات وغسل القلوب، الجاري على قدم وساق، بين فريقي 8 و14 آذار، يحرص كل فريق، ينهي حفلة صلحته، على التأكيد انه باقٍ على ثوابته واقتناعاته، التي تختلف عن ثوابت الفريق الآخر واقتناعاته، واحياناً كثيرة تتعارض معها في العمق، وهذا يعني ان المصالحات هدفها غسل القلوب من الاحقاد والضغائن، وفتح صفحة جديدة بين الطرفين لعدم الانزلاق الى العنف في حال اصطدمت الثوابت لأمر من الأمور.
ان ترييح الأجواء على صعيدي القيادة والقاعدة، بين الافرقاء المتخاصمين، عمل جيد وايجابي ومشكور، لانه يساعد الاجواء الاحتفالية الواسعة التي يشهدها لبنان، والتي تعود بمردود اقتصادي ممتاز، على الانتشار والتوسع اكثر دونما عوائق او هزّات ومخاوف امنية، وربما كان الهاجس الاقتصادي الصعب، وكيفية النهوض بالدولة، هما الدافع الأول الذي جعل النائب سعد الحريري بعد تكليفه بتأليف الحكومة، يطرح رغبته بتشكيل «حكومة وحدة وطنية»، ولو انه استدرك منذ البداية، بمثل ما فعل بعد اجتماعه برئيس الجمهورية يوم الاربعاء الماضي، ودعا الى قيام «حكومة ائتلافية» كان بطرحه هذا قد انسجم مع لغة المصالحات، الداعية الى التهدئة، مع التمسك بالثوابت والمبادئ، لان حكومة الوحدة الوطنية في مفهومها العملي هي حكومة «انصهار وطني»، بينما الحكومة الائتلافية هي حكومة تعاون على تقطيع مرحلة او مراحل صعبة، مع احتفاظ كل حزب او تيار او شخصية بمفاهيمه وثوابته ومقاربته للقضايا الخلافية، وهذا هو واقع الحال الذي سوف يحكم اداء حكومة الحريري الاولى بعد تشكيلها الذي يقال انه اصبح على لياليه، ولو ان الطرح بداية كان في العمل على حكومة ائتلافية، لربما كانت العقبات التي اعترضت، مختلفة، وخصوصاً تلك العقبة التي حاولت الاقلية ان تجعلها سابقة وعرفاً، وهي حكاية الثلث المعطّل، الذي يمسّ جوهر نظامنا الديموقراطي البرلماني الحر، وعلى الرغم من اعلان رئيس البلاد العماد ميشال سليمان رفضه مبدأ «الوزير الوديعة» واعلان الرئيس المكلّف انه لا يقبل بحكومة تقوم على الثلث المعطّل، ما زال البعض في الاقلية يكابر مؤكداً ان الوزير الشيعي الوديعة سيكون الى جانب الاقلية عند التصويت، وان الوزير السني الوديعة سيكون الى جانب الاكثرية، علماً بأن مثل هذا القول يشكل اساءة الى مقام رئاسة الجمهورية، واهانة الى صدقية الوزيرين الشيعي والسني المحسوبين من حصّة رئيس الجمهورية.
* * * * * *
امّا وان كل المعلومات تتقاطع حول قرب انتهاء تشكيل الحكومة بعدما «انتهى العمل لوضع الاطار السياسي للحكم» كما صرّح بذلك الرئيس نبيه برّي، وبدأت عملية غربلة اسماء الوزراء وملء الحقائب، «البريمو» منها و«السيكوندو» و«التيرسو» فلا بد من الاشارة الى ان اتفاق الدوحة الذي اخذ يومها على عاتقه «وضع الاطار السياسي للحكم» ترك للرئيس المكلف الاهتمام بالحقائب والاسماء، فأمضى الرئيس فؤاد السنيورة ما يقارب الخمسين يوماً ليركّب الوزير المناسب على الحقيبة المناسبة، في حمّى الشروط والمطالب التي تمترست وراءها الكتل والقيادات، ولم تفرج، الاّ بعد مدّ يد العون من الخارج، فهل سيتكرر دلع البعض، ونهم البعض الآخر، ويمضي الرئيس المكلّف سعد الحريري الوقت الذي امضاه السنيورة، أم ان هناك محدلة اقليمية جاهزة لتعبيد الطريق امام تشكيل الحكومة التي يقال انها ستشرف على الانتخابات النيابية العامة في العام 2013؟
الرئيس سليمان – حسب ما تسرب من معلومات – يرتاح الى استمرار الوزير زياد بارود بحمل اعباء وزارة الداخلية، والوزير الياس المر في وزارة الدفاع، من ضمن اعتبار نجاحهما وحياديتهما في اداء مهامهما في ظروف صعبة ومعقدة، وهذا موقف غير مستغرب من الرئيس سليمان الحريص على الكفاءات و على نجاح عهده وفق طموحاته الكبيرة، ويبقى حتى تكتمل «سيبة» الحكم والعزف من دون نشاز، ان تضاف وزارة الخارجية الى حصة الرئيس، ومن ضمن التوازن المذهبي في الوزارات، خصوصاً أن جميع القيادات ـ باستثناء واحد أو اثنين ـ يعتبرون أن رئىس الجمهورية العماد ميشال سليمان، بما أثبته في السنة الأولى من عهده، من حكمة ووطنية وحيادية، واحترام دولي وعربي ومحلي، هو الضامن الحقيقي لسير عجلة الحكم، بهدوء وثبات وتعقّل، بعيداً من التوترات والقفزات غير المحسوبة، والمزايدات التي لا توصل الى مكان ولا تفيد بشيء، اضافة الى أن الرئىس المسيحي القوي الذي يحظى بدعم الكنيسة وتأييدها، وباحترام الطوائف الاسلامية وتسليمها بانه رئىس كل لبنان، كما هو الرئيس سليمان، لن يسمح في عهده، بتهميش فئة او باحباط طائفة، او بعزل حزب، وبالتالي سيشعر جميع اللبنانيين بأن حقوقهم مصانة، وبالقدر الذي يعطون به بلدهم، سوف يأخذون مثله وأكثر، من هنا فان تعزيز مركز رئاسة الجمهورية بنصّ او بعرف، لن يستفيد منه رئيس جمهورية يكون على شاكلة الرئىس سليمان، أو تستفيد منه طائفة هذا الرئيس، بل ان المستفيد الاول والاخير سيكون لبنان وشعبه، دونما تمييز بين طائفة وطائفة أو بين منطقة ومنطقة.
سبق لنا في كتابات سابقة، وطالبنا الأفرقاء كافة، بأن يضعوا ثقتهم كاملة برئيس الجمهورية، ويخففوا عن الناس عناء التوتر والقلق والاستنفار الدائم، ويوكلوا اليه مهمة «الضمير الحيّ» ليكون وحده الفيصل في البت بالامور المصيرية وذات العلاقة بمصالح الشعب والوطن، لأن ميشال سليمان اذا اعطي وزنات فسوف يعيدها مضاعفة لأبناء بلده.