ماذا حققت جولة ميتشل الأخيرة في شأن اندفاعة السلام ؟
اعتماد نهج الخطوات البسيطة المتوازنة لإطلاق المسارات
العنوان الأبرز الذي انتهت اليه لقاءات المبعوث الاميركي لعملية السلام جورج ميتشل قبل اسبوع في سوريا بالنسبة الى لبنان، هو ان زيارته كان لها مفعول لبناني تمثّل في تسهيل تأليف الحكومة، لكن الموضوع اللبناني لم يكن محورا مهما في جولته الاخيرة في بعض دول المنطقة، ولا سيما في اسرائيل وسوريا ومصر وسواها، بل ان الموضوع الاهم يتعلق بما اذا كانت هذه الجولات بدأت تحقق بعض ما تصبو اليه الادارة الاميركية على صعيد ترميم المواقف بين العرب واسرائيل تمهيدا لاعادة احياء المسارات السلمية بين الجانبين. ولفت المتابعين تأكيد ميتشل احراز "تقدم جيد" مع رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو فُهم حتى الآن انه يتناول جدولا زمنيا محددا قبل بدء وقف بناء المستوطنات، علما ان بعض التقارير الديبلوماسية المبنية على ما اعلنه نتنياهو في مناسبة عسكرية لا يوضح ان ثمة تقدما قد تحقق فعلا. لكن مصادر ديبلوماسية اوروبية ترى الامر ككل جيدا الى حد ما باعتبار ان الامور ليست كلها ابيض على اسود على ما تؤخذ به الامور في العالم العربي على المستوى الاعلامي، وخصوصا ان الاميركيين سيواصلون السعي الى احراز خطوات بسيطة من هذا الجانب وفي الجانب الآخر حتى التوصل الى ما يمكن ان يطلق المفاوضات.
لكن واقع الامور هو ان النظرة العربية مختلفة في حذرها حيال هذه الامور وايلائها اهمية كبيرة لاندفاعة الرئيس الاميركي باراك اوباما في هذا الملف ما دام متمتعا بثقة 60 الى 70 في المئة من اليهود الاميركيين، والخشية من وقف هذه الاندفاعة كليا في حال لم يستثمر هذا الدعم في تحقيق اختراق كبير على مستوى المنطقة.
ولكن، ماذا في خلاصة تحرك ميتشل والمسعى الاميركي؟ وما موقع هذا التحرك الذي اعقب جولة لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في المنطقة ايضا سعيا واقناعا للاطراف العرب واسرائيل بمؤتمر دولي للسلام كان اتفق عليه في مؤتمر انابوليس في الولايات المتحدة في تشرين الثاني 2007 على اساس ان المؤتمر المقبل سيكون في موسكو؟
ينقل بعض المطلعين عن مسؤولين اميركيين قولهم ان لا وجود لاي مؤتمر في موسكو او سواها في المرحلة الراهنة، ولا تحرك جدياً خارج اطار الدور الذي تقوده راهنا الولايات المتحدة الاميركية وتترجمه زيارات مدروسة لميتشل ونائبه فريدريك هوف وآخرين، لن تدخل كما في السابق في دوامة من التحرك الذي لا يرمي الا الى ابقاء العجلة تدور كما كان يفعل منسق عملية السلام في المنطقة سابقا دنيس روس والذي يحتل مركزا مرموقا في البيت الابيض حاليا. اذ ان الادارة الاميركية تدرك ذلك كما اخطاره ولا تنوي الوقوع فيه.
وبحسب هؤلاء تصر هذه الادارة على احياء عملية السلام على المسارات الثلاثة، اي فلسطين وسوريا ولبنان، وان الجهد ينصب خصوصاً على الملفين الاولين. وهي تنطلق بالنسبة الى الملف الثاني من واقع ضرورة استمرار المفاوضات غير المباشرة التي قامت بين سوريا واسرائيل عبر تركيا والمتوقفة منذ حرب اسرائيل الاخيرة على غزة. وتحركت تركيا اخيرا على خط سوريا من اجل نقل رغبة اسرائيلية في استعادة هذه المفاوضات، بينما يعمل الاميركيون على اعطاء دفع في هذا الاتجاه، وعلى الارجح عبر الاتراك لان الامور لم تصل بعد الى النقطة الحاسمة بين الجانبين، وان يكن اتفق على 90 في المئة من النقاط التقنية العالقة بين الجانبين. فمن الجانب السوري، تحاول دمشق ان تحصل على اتفاق نهائي على العودة الى خط 4 حزيران في مقابل مطالبة اسرائيل بالحصول على موقف واضح من جانب دمشق في الملف الاقليمي المتعلق بايران وحركة "حماس" و"حزب الله". ويتواصل السعي الى ما يمكن ان يضع الجانبين مجددا الى طاولة المفاوضات من خلال التوفيق بين هذين المطلبين. ويطرح الاميركيون اسئلة عما اذا كان في استطاعة سوريا ان تذهب الى سلام مع اسرائيل من دون المسارات الاخرى. اذ انها، وفق ما تعبّر عنها القيادة السورية، تظهر استعدادا للمضي في هذا الاتجاه من دون مشكلة، في حين تساور الاميركيين شكوك حول هذا الامر لاعتبارات تتعلق بالشعارات التي ترفعها سوريا حول القومية العربية وما شابه، فضلا عن عدم اقتناعهم برغبة سوريا او قدرتها على الابتعاد او التخلي عن ايران. ومن هذه الزاوية ينفذ الاميركيون الى موضوع "حماس" وضرورة ممارسة سوريا ضغوطاً عليها من اجل توفير سلطة فلسطينية موحدة مطلوبة لاحياء المفاوضات بين الفلسطينيين واسرائيل، وقد تركز جزء من المحادثات التي اجراها ميتشل في دمشق على ضرورة ممارسة سوريا تأثيرا على "حماس" من اجل المساعدة في المصالحة الفلسطينية في الداخل.
اما على الصعيد الفلسطيني فثمة اهتمام كبير يوليه الاميركيون لهذا المسار اكثر من المسارات الاخرى، وان اكدوا العمل على كل المسارات معا. والفكرة التي يعملون عليها راهنا تقوم على ارساء او انجاز خطوات صغيرة من ضمن اطار ما يسمى "خطوات بناء الثقة" بحيث تتأمن قاعدة ممكنة لمعاودة المفاوضات في الوقت الملائم. وتقوم هذه الخطوات على تسهيل عبور او فتح طريق او ما شابه، على رغم ان ثمة فكرة اخرى طرحها بعض العرب، ومنهم لبنان، وتقضي بالانتقال فورا الى مفاوضات الحل النهائي وتحديده كي يمكن الانطلاق فعلا فيها، ومن المحتمل ان يعود الاميركيون الى تجربة تطبيق هذه الفكرة في حال فشل ما يحاولون القيام به من خطوات لتحضير القاعدة الملائمة للمفاوضات. والحركة تدور حتى الان في هذا الاطار على ما تقول هذه المصادر.
ماذا عن لبنان خصوصا انه لم يرد في جدول جولة ميتشل الاخيرة في المنطقة؟