مؤشرات أعادت الخشية من تحكّم الخارج بموقع لبنان في المفاوضات
استحقاق السلام يستعجل ترتيب البيت الداخلي والتوافق على احتمالاته
تلح الدول الاجنبية على لبنان لترتيب بيته الداخلي، وتأخذ الجهود الاميركية من اجل احياء مفاوضات السلام على محمل الجد الى حد بعيد، في حين لا تُخفي انزعاجها من تراجع جوهري تراه في الموقف اللبناني على صعيد القدرة على اعلان موقف واضح من اي مسألة تتعلق بالمنطقة او بمفاوضات السلام.
فالمبعوث الاميركي لعملية السلام جورج ميتشل لم يزر لبنان في جولته الاخيرة في دول المنطقة قبل أسبوع، واكتفى بالاتصال برئيس الجمهورية ميشال سليمان بعد زيارته دمشق، في حين أن نائبه فريدريك هوف المكلف ملفي لبنان وسوريا في موضوع السلام، زار بيروت قبل مدة قصيرة والتقى عددا من المسؤولين. وزار لبنان المسؤول عن ملف الشرق الادنى في مجلس الامن القومي دانيال شابيرو قبيل انضمامه الى ميتشل في دمشق. وقد برر مسؤولون لبنانيون الامر بان لبنان في مرحلة تأليف الحكومة وزيارة ميتشل لا تزال في مرحلة استطلاع الآراء بالنسبة الى لبنان، ومواقفه معروفة وليس من جديد طرأ عليها.
وواقع الامر ان الاميركيين يتميزون بأنهم عمليون، ومن غير الطبيعي تضييع الوقت في زيارة يقومون بها للبنان ستنحصر في المرحلة الراهنة بالطابع البروتوكولي. لكن الصورة للمراقبين من خارج تبدو محزنة لمجرد ألا يجد ميتشل ضرورة لزيارة لبنان من بين دول عدة قصدها في المنطقة. وهو أمر تبرره دول معنية بأن لبنان لا يظهر قدرة على اتخاذ موقف في موضوع عقد مؤتمر دولي للسلام قبل ان تدلي دول أخرى بموقفها في هذا الاطار ولا في معاودة المفاوضات بينه وبين اسرائيل، مكررا مواقف مبدئية غير مجدية بالنسبة الى الخارج، حتى بات يخشى ان يعيد لبنان نفسه الى المرحلة السابقة حين كان لا يزال تحت الوصاية السورية ويشكو اهمالا تمارسه الدول الكبرى في التعريج على دمشق، ثم على لبنان شكلا، او عدم المرور به اطلاقا، على رغم اختلاف الوضع كليا في الاعوام الاخيرة من حيث مساهمة الدول الكبرى في دعم استعادة لبنان قراره ورأيه، وإن بالتنسيق مع الدول الاقليمية الاخرى لمعرفتها بحساسية الوضع الداخلي ووضع لبنان اقليميا. والاهمال نفسه يمكن أن يتعرّض له لبنان مجددا اذا اقصى نفسه عن أي موقف يتصل به مباشرة، لئلا يجري التقرير عنه في ملفات تهمه، وإن تكن الولايات المتحدة تكرر على مسامعه ليل نهار انها لن تسمح بان تأتي اي مفاوضات على حسابه، وانها تصرّ على استقراره وسيادته واستقلاله.
وتلفت المصادر المعنية الى التطورات الاخيرة في الجنوب والتي انطلقت من انفجار مخزن الاسلحة في خربة سلم. فهناك في الدرجة الاولى خيبة كبيرة تسبب بها الكتاب الرسمي الذي وجهه لبنان الى مجلس الامن ويقف فيه على طرفي نقيض مع التقرير الذي قدمته القوة الدولية في الجنوب بناء على تحقيقاتها الميدانية، وهو لا يزال يثير ردود فعل مستنكرة ومستهجنة جدا، لأن الجيش والقوة الدولية وضعا على الصعيد الديبلوماسي في مواقف متقابلة او متعاكسة، في حين انهما في جهة واحدة.
وهناك خيبة ايضاً من مواقف المسؤولين اللبنانيين من القوة الدولية، لولا قلل منها تدارك رئيس الجمهورية الأمر في كلمته امس في عيد الجيش والدفاع عن القوة الدولية والتشديد عليها، في حين برز عتب على تحييد كل المسؤولين انفسهم على أثر الانفجار في خربة سلم ومواجهة القوة الدولية، كأن الموضوع الجنوبي لا يعنيهم، او انه مسلّم به كليا رسميا وعملانيا الى "حزب الله"، ولم يتنبّهوا لمفاعيل هذا الانكفاء على موقعهم السياسي الداخلي قبل موقف لبنان الخارجي او في موازاته.
وتنفذ هذه المصادر من هذه الزاوية بالذات لتؤكد ان الثغرة في الموقف اللبناني الاساسي حيال ما بدأت تقترحه الولايات المتحدة او سواها بالنسبة الى المنطقة، تنطلق من القرار 1701 بالذات. اذ ان التكرار الرسمي الذي تجدد في رسالة لبنان الاخيرة الى مجلس الامن وعلى ألسنة المسؤولين لجهة التمسك بهذا القرار لا يعكس نية جدية لاستكمال تنفيذه أو تحفيز الدول الكبرى، أكانت الولايات المتحدة أم اوروبا والامم المتحدة، على ضرورة العمل من أجل تطبيقه بحسب هذه المصادر. وفي مندرجات هذا القرار الذي يطالب لبنان بتنفيذه، سعي من اجل استعادة الاراضي التي لا تزال محتلة من اسرائيل في كفرشوبا ومزارع شبعا وشمال قرية الغجر وصولا الى اعادة العمل باتفاق الهدنة بين لبنان واسرائيل وفق ما نص عليه القرار. وهذا لا يعني ان المصادر تقلل خطورة الانتهاك الاسرائيلي للقرار، الذي تقول ان الدول الكبرى تطالبها بوقفه، لكن لبنان لا يظهر عزما في المقابل على تنفيذ القرار 1701 ولا على تحفيز الآخرين من الدول الداعمة له على القيام بذلك.
وتلحظ المصادر انتقادات وردودا تتكرر من "حزب الله" لما يورده تقرير الامين العام للامم المتحدة بان كي – مون حول تنفيذ القرار، وبات ينضم اليه فيها أفرقاء آخرون يساهمون، في رأي هذه المصادر، ليس في محاولة الطعن بصدقية مضمون التقرير بمقدار ما يحاولون المس بصدقية الجهد الدولي وحيثيات القرار 1701 نفسه.
ولذلك يبدو ملحا بالنسبة الى المراقبين الديبلوماسيين المهتمين بلبنان ان تسعى الحكومة الجديدة في المدى القريب جدا الى صوغ موقف لبناني واضح مما يطرح يأخذ كل الاحتمالات في الاعتبار، وخصوصا في ضوء تطورات على المسارات الاخرى، لئلا يسيء لبنان الى نفسه ويعود مصيره مرتبطا بالآخرين من حيث شاء او لم يشأ، ولاسيما ان مشاركة كل الافرقاء في الحكومة تضعهم جميعا في موقع المسؤولية التي تحتم عليهم اخذ الامور بيدهم والعمل لما فيه مصلحة لبنان في الدرجة الاولى، في موازاة مراعاة مصالح الدول العربية المعنية.