#dfp #adsense

… وماذا عن الصدع “المعارض”؟

حجم الخط

… وماذا عن الصدع "المعارض"؟

يثبت الصدع الذي أصاب أطراف المعارضة، وبدأت عوارضه تسابق انتهاء المخاض الحكومي في مرحلته الثانية، ان ضريبة "الشراكة" الحكومية هي أثقل بكثير من مجرد استعراض دعائي لارضاء القواعد الشعبية او لتبديل سريع مستعجل للحقائق التي كرستها الانتخابات النيابية.
وحتى بمنطق الشراكة هذه، أقامت المعادلة الحكومية توازنا سلبيا يكاد معه الفريق المعارض يسدد ثمنا غير محسوب أصلا للمرحلة الثانية، اذا اعتبر الثمن الموجع للمرحلة الاولى في حساب الغالبية.

يمكن والحال هذه الاعتداد بمعادلة كلاسيكية ترقى الى حقبة دستور 1943 وهي 6 و6 مكرر. ولكنها هذه المرة سياسية معنوية أكثر منها رقمية. في المرحلة الأولى من تشكيل الحكومة ساهم "الدفرسوار" الجنبلاطي كأمر وضعي مباشر، الى جانب عوامل أخرى عقب الانتخابات، في دفع الغالبية الى تسوية مع المعارضة على الصيغة الحكومية 15 – 10 – 5. وفي المرحلة الثانية من المخاض بدأ دور المعارضة في تلقي الانعكاسات التي تبدو أكبر من مجرد صدع شكلي ومحاصصي ولعلها أبعد من الاطار الداخلي الصرف لهذا الاعتمال المفاجئ في العلاقات بين أطرافها.

وسط التغني "الشفاف" والعلني والواضح للرئيس نبيه بري، بالاتفاق او التفاهم السوري – السعودي الذي استولد الصيغة الحكومية، لا يمكن إلا التوقف بتمعن شديد عند ظاهرة تفلت التصدعات من فريق المعارضة الذي غالبا ما ازدهى وفاخر بقوة رباطه الداخلي وتمساكه، فاذا بمعركة المحاصصة الحكومية تفقده بلحظة ما سعى طوال فترة ما بعد الانتخابات الى إظهاره المكسب الميداني الذي حققه تعويضا عن خسارته للانتخابات. فاذا كانت مصلحة الرئيس بري ان يبرز ضمنا انه لاعب أساسي من قلة حملت كلمة السر في التفاهم السوري – السعودي، فإن ذلك لا يكفي وحده لمنع التساؤلات على الاقل عن انتفاء وحدة حال المعارضة في التكيف مع هذا التفاهم او حتى في تنسيق الانصبة الوزارية في مرحلة التفاوض الراهنة. وليس أدل على ذلك من ان العماد ميشال عون أفصح بشفافية مماثلة عن تسليمه بالصيغة الحكومية مع سائر أطراف المعارضة لكنه أعلن صراحة ان لا اتفاق داخل الصف المعارض على المرحلة اللاحقة. ثم ان شياطين التفاصيل والاستيزار والتهافت على الحقائب لا تتصل فقط ببروز "أجندات" مختلفة داخل الصف المعارض، بل ايضا بآثار ماثلة بقوة لخلط أوراق داخل هذا الفريق لم تأخذ مكانتها الظاهرة بعد نظراً الى تمركز الاضواء على التفاوض الحصري بين رئيس الحكومة المكلف والعماد عون. فثمة "ضحايا" سقطت على طريق المرحلتين الاولى والثانية كانت تحمل غالبا دلالات ورموزا على ألسنة زعماء المعارضة قبل الانتخابات وبعدها، فاذا بها تحذف من المعادلة بجرة تسوية. من هذه الضحايا الاحزاب الحليفة كالسوري القومي الاجتماعي والبعث وطلال ارسلان وسواهم. ارتضت القوة "الوازنة" في المعارضة الانضواء في معادلة مذهبية وطائفية محض بحيث لا يكون التمثيل إلا للقاطرات الكبيرة ومن ضمن تمثيلها الطائفي والمذهبي وحده من دون أي تلوين، فأسقطت هذه المعادلة كل "مهرجان التنوع والتعدد" الذي طبع خطاب المعارضة في الحملات الانتخابية.

فهل كان ذلك من "إملاءات" تفاهم سوري – سعودي فعلا أم انه الردة الواقعية الأشد سوءاً ووطأة للتسليم بتسوية داخلية لا تستقيم إلا بالهوية الطائفية والمذهبية المباشرة للزعماء؟

بطبيعة الحال تتحمل الغالبية والمعارضة مسؤولية هذه الردة "القبلية" سواء بسواء، ولا يجدي أي "تمجيد" لتفاهم خارجي في طمس المحاذير المتخلفة لهذه المعادلة، لكن التصدعات المتصاعدة من صفوف معارضة أمام معركة الانصبة والحصص الوزارية لن تعفيها من مساءلة مبدئية صارمة حول صفتها وتسميتها كمعارضة تتغنى ببعدها القومي المتصل بالمقاومة والاصلاحي المتصل بالتغيير، وأي تسمية ستكون لهذا الفريق ضمن "الشراكة" الحكومية غير انه الوجه الآخر لسلطة تلغي المعارضة الغاء واقعياً ساحقاً.

لم تكن بوادر "الدفرسوار" الجنبلاطي بنت ساعتها ولو توجها امس في خطاب البوريفاج، لكن الصدع "المعارض" مرشح لأن يكون مفاجأة المخاض الحكومي بلا منازع.

المصدر:
النهار

خبر عاجل