خيضت على أساس أفكار مركزيّة أهمّها "المناصفة الإسلامية المسيحية" وبما يتجاوز السلوكيات الغريزيّة
مرجعية الانتخابات الأخيرة رهن بإعادة التعرّف على طابعها "التحديثي"
لم يُقيّم بعدُ إستحقاق الإنتخابات النيابية الأخيرة كما ينبغي أن يقيّم، سواء من زاوية الإسهام في تحديث أو عدم تحديث البنية السياسية اللبنانية، أو من زاوية ما نتج عنه من تقوية أو إضعاف الحراك الإستقلالي اللبناني.
فمنذ إذاعة نتائج هذه الإنتخابات، راجت جملة مقولات تختزل بمجموعها الى أنّ كل الإستقطابات والأزمات والتسويات ترجع في بلدنا إلى "زمن دائريّ مكرّر"، بحيث تعيد الطائفية إنتاج نفسها على الدوام، وبحيث يظلّ تحديث البنية السياسية ممتنعاً، وبحيث تعمّ "ثقافة التشكيك" بطبيعة الحراك الإستقلاليّ اللبنانيّ، وهي الثقافة "الأسهل".
والحركة الإستقلالية التي نجحت في تأكيد أهمية الإنتخابات عشية حصولها، على أساس مقولة أنها "مصيريّة"، لم تثبّت أهمية الإستحقاق بعد إجرائه، بل أخذت تفصل بينه وبين نتائجه، أي بين النتائج من جهة وبين الشعارات التي لعبت دوراً مركزياً في الإتيان بهذه النتائج، وقد فات الحركة الإستقلالية أنّ ما ينبغي أن يعدّل بعد الإنتخابات ليس مضمون هذه الشعارات بل طريقة طرحها، وبالضبط طريقة طرحها بعد أن أثبتت هذه الشعارات فعالية إنتخابية، فالنبرة الإنتخابية شيء والخطاب الواجب لتجديد وتشغيل المؤسسات الدستورية بعد الإنتخابات شيء مختلف، لكنه ليس شيئاً منقطعاً تماماً.
إنّ الشعارات المركزية التي خيضت الإنتخابات على أساسها كانت كل شيء إلا محاكاة للغرائز، وكانت كل شيء إلا تلاعباً بالعواطف، وكانت متجاوزة إلى حدّ بعيد لفكرة "الزمن الدائري" التي تقول إن الطائفية هي ذاتها على الدوام، وإن الأزمات تتكرّر والإستقطابات كلّها بمعنى واحد.
لقد خيضت الإنتخابات الأخيرة على أساس شعار مركزيّ إسمه "المناصفة"، وجرى كسب هذه الإنتخابات بواسطة هذا الشعار الذي يتجاوز "الطوائفية الدكاكينية" إلى مستوى أرقى من "الديموقراطية الطائفية"، تقوم على أساس فهم أن لبنان هو مشروع الدولة الوحيدة القائمة على إتحاد ميثاقيّ بين المسلمين والمسيحيين، أي أنّه قائم على الثنائية وليس "كونفدرالية 18 طائفة"، وأنه مشروع دولة مسلمة لمسلميها ومسيحية لمسيحييها، دولة لا تكون بحد ذاتها مسلمة أو مسيحية، وأنّ فكرة المناصفة في التوزيع العددي داخل المؤسسات الدستورية، برلماناً وحكومة، متحرّرة من حيث المبدأ من قانون العدد الديموغرافي للطوائف اللبنانية، بل ومتحرّرة وهذا الأهم، من أي بحث مستقبليّ في "إلغاء الطائفية السياسية"، وهي بالتالي فكرة تؤسس لشبكة مستقرّة من العلاقات بين الجماعات، ولها دور يتخطى الطابع المحليّ الأهليّ لإبراز تجربة ناجحة وغير مسبوقة من التعايش بين أتباع الديانات السماوية على أرض واحدة.
كما خيضت الإنتخابات الأخيرة على أساس فكرة مركزية هي أيضاً، يمكن صياغتها على النحو التالي: إن القرار 1701 هو المدخل لتنفيذ القرار 1559. ليس هناك من مدخل آخر، لا من خارج ولا من داخل. هذه الفكرة هي أيضاً "متجاوزة للإعتبارات الإنتخابية" كما للسلوكيات الغريزية، ولها أن تؤكّد نفسها بعد الإنتخابات.
وخيضت الإنتخابات كذلك الأمر على أساس إعتبار ثقافيّ إيديولوجي مركزيّ وجد لنفسه أكثر من صياغة نظرية في أدبيات 14 آذار، من الحديث عن "ثقافتين" إلى نقد تصدير "نظام ولاية الفقيه العامة" إلى لبنان، وهذا الإعتبار الثقافي الأيديولوجيّ المركزيّ، يفتح أيضاً على أبعاد فلسفية – تنويرية، وليس يمكن اختزاله هو أيضاً في مجرّد "كلام إنتخابيّ" بالمعنى الرائج، ولا يمكن القول إن الذين صوّتوا في الإنتخابات على أساسه، كانوا مجرّد مغلّبين لعصبيّتهم الأهليّة على ما عداها.
الناخبون اختاروا أكثرية النواب على أساس فكرة المناصفة الإسلامية المسيحية كجوهر لقيامة لبنان، والقرار 1701 كمدخل عملي لتنفيذ القرار 1559، والإعتبار الثقافي الأيديولوجيّ المركزيّ المساجل مع "النموذج الإيرانيّ"، ومن موقع "التنوير".
ثمة إذاً ترسانة مفهومية كاملة جرى على أساسها حسم المعركة الإنتخابية بهذا الشكل، وهذه الترسانة لا تشبه في شيء وهم "الزمن الدائري" الذي يقول إن الطائفية هي هي ولا تتغير.
فكرة أن الطائفية هي هي لا تتغيّر هي "الفكرة المشتركة" سواء عند التقليديين الذين يعتبرون أنّه ليس هناك ما يمكن تغييره على مستوى النظام السياسيّ والأداء السياسي سواء بسواء، وعند الشعبويين الذين يرون بأن كل تغيير لا يؤدي إلى فرط النظام الطائفي من أساسه ليس بتغيير.
في المقابل، ينبغي التذكير بأنّ الطائفية لها تاريخ، وأنّها ليست دائماً هي هي، وأنها شكل من أشكال التحديث السياسيّ المختلف عن نظام "الملل" المغلقة على بعضها البعض.
الزمن "الطائفي" ليس دائرياً أبداً. وفي منعطفات كثيرة، كما في الإنتخابات الأخيرة، كان يمكن للإعتبار "السياسي" أن يكون حاسماً بإزاء الإعتبار "الطائفي" بالمعنى المحدود، اي كان يمكن للطائفية أن تطوّر نفسها.
والحال أن إعادة التعرّف على "العلامات التحديثية" التي أبدتها أكثرية المجتمع اللبناني خلال الإنتخابات الأخيرة هو المدخل لإعادة تعرّف الحراك الإستقلالي اللبنانيّ على نفسه، وإلا كان علينا الدخول في الفترة نفسها التي زجينا نفسنا بها في اليوم التالي لـ 14 آذار 2005 ووصولاً إلى خريف العام 2005، قبل أن يعاد إكتشاف 14 آذار في ذلك الخريف وبعد أن تجدّدت سبحة الإغتيالات، لتنطلق يومها تجربة "قوى 14 آذار"، وخط النضال من أجل قيام المحكمة الدولية.
.. من لا يريد هدر "مرحلة" من هذا النوع، عليه أن يعيد التعرّف إلى الطبيعة "التحديثية" للإستحقاق الإنتخابي الأخير، فيلغي الفصل التعسّفي بين الإستحقاق وشعاراته، ثم بين الإستحقاق ونتائجه، ثم بين نتائجه المباشرة وتبعاته غير المباشرة على مستوى إعادة تشكيل المؤسسات الدستورية.
إن إعادة "التعرّف" على الإنجاز الإنتخابيّ الذي كان "مصيريّاً" هو أمر يستحق أيضاً تلك الشبهة "المصيرية".