#adsense

الإحباط المسيحي: عود على بدء الصيغة أم الوصاية أم وهم التأسيس؟

حجم الخط

الإحباط المسيحي: عود على بدء الصيغة أم الوصاية أم وهم التأسيس؟

لنفرض مثلاً…

تلقّى رئيس مكتب الاستخبارات العسكرية في البحريّة الأميركيّة برقية عاجلة من حاملة طائرات موجودة قبالة شواطئ لبنان وسوريا. تفيد البرقية بأنّ الأجواء معقّدة للغاية في لبنان، وأن قوات من حزب الله تحاصر في هذه اللحظات مقرّ سعد الحريري في قريطم ومقر البطريرك الماروني في بكركي. وأنه يجب التدخّل خلال دقائق قليلة قبل فوات الأوان. نقل المسؤول الأجواء إلى قيادته العسكرية التي سألت القوات البحرية عن إمكانية التحرك، فأجابت بأن جميع الطائرات تقوم بمهمّات ما عدا واحدة قادرة على التحرك الآن باتجاه سماء لبنان. فاحتار المسؤول الأميركي في أمره واتصل بقيادة وزارة الدفاع سائلاً عن القرار لأنّ الوقت يمرّ بسرعة. فزادت الحيرة عند المسؤولين العسكريين وبات الوقت ضئيلاً للغاية، فاستُخدم الخط الساخن مع البيت الأبيض وأبلغ الرئيس الأميركي بالأمر، وقيل له إن أمامه أقل من نصف دقيقة لاتخاذ القرار. وكان عليه أن يقرّر أيّ اتجاه تسلكه الطائرة العسكرية الأميركية: هل تنقذ بكركي أم قريطم؟

لا داعي للانتظار والتخيّل. فالقرار الأميركي سيكون واضحاً وحاسماً بأن المهم إنقاذ قريطم، أما بكركي فنعود إليها لاحقاً. وهذا يعكس أمراً وحيداً لحجم التبدلات التي حصلت في موقف «الغرب الصليبي»، بالمعنى السياسي الاستعماري لا الديني الطائفي. فقد باتت الطائفة السنّية هي الحصان الذي يراهن عليه الغرب لمواجهة نفوذ سوريا وما تمثّله مع قوى لبنانية وإقليمية من مخاطر بوجه المشروع الغربي والإسرائيلي في المنطقة. وبالتالي، فإنّ النظرة إلى دور المسيحيّين في اللعبة الداخلية وتأثّرها بمجريات الوقائع الإقليمية، يدلّان على أن ما تمثّله فكرة 14 آذار من الجانب المسيحي، ليست سوى محطة قابلة للاستخدام في مواجهة سوريا. أمّا إذا كان المطلوب العمل على تسوية وعلى مرحلة انتظار حتى يتخذ القرار الكبير بالحرب الشاملة على لبنان وسوريا وفلسطين وإيران، فإن الخطاب الذي مثلته «ثورة الأرز» صار من الواجب دفعه إلى الأرشيف، دون منع استخدامه لغرض رفع المعنويات ليس أكثر.

«الغرب الصليبي» نقل رهانه على المسلمين السنّة تاركاً المسيحيّين لمصيرهم

بهذا المعنى، فإنّ لجوء سعد الحريري بما يمثّل إلى تبنّي شعارات الجبهة اللبنانية، لا يعني اعترافاً بأن ما اعتمدته هذه الجبهة كان صائباً. بل إن الأمر واضح في أن من يريد تولي مهمة الابتعاد عن سوريا، ليس أمامه من خيار سوى العودة إلى المنطق الذي لا اسم له سوى الانعزال، بما في ذلك المنطق المستمر تحت شعار «لبنان أوّلاً». ويبقى هذا الأمر شعاراً إذا ما قرر الحريري بما يمثله أن ينتقل إلى السرايا الكبيرة، لأن لهذه المهمة أصولها التي تتطلب الانخراط في تسوية داخلية وخارجية. الشروط الداخلية تعني التراجع ولو قليلاً إلى الوراء، إلى حيث يحتفظ كل فريق بشعاراته وحده ويدخل إلى ملعب مختلف. أمّا خارجياً، فيُسحَب شعار القطيعة مع سوريا نحو شعار التعايش والتعاون ولو على مضض.

وفي هذه الحالة يحصل الانكشاف من جديد. تعود «الجبهة اللبنانية» بشعاراتها إلى الحديقة الخلفية في المشهد اللبناني. إلى حيث تبقى وحدها. ليس هناك من ينتبه لها ولا من يهتم بها. وهو الأمر الذي ينعكس في وقت لاحق «إحباطاً»، ما يطرح السؤال الأخطر: هل كان الوجود السوري في لبنان سبب الإحباط المسيحي، أم أن اتفاق الطائف هو سبب الإحباط، أم أن خطاب المشروع السياسي للقوى التقليدية في الشارع المسيحي هو الذي يسبّب هذا الإحباط؟

الآن، لم يعد هناك انتخابات ولا من يحزنون. ولا داعي لتفسير كل موقف على أنه دعم انتخابي يفيد أو لا يفيد. لكن الحقيقة التي تستوجب النظر إليها، هي التي تخص الانقسام السياسي الحاد داخل المؤسسة السياسية المسيحية بين تيار تمثّله الكنيسة وأبناؤها المخلصون في المدرسة الكتائبية ومشتقاتها المنتشرة في أحزاب ومؤسسات وأطر، وبين تيار آخر يمثله العماد ميشال عون والتيار الوطني الحر. الأول لا يزال يعيش أوهام «مرحلة تأسيس الكيان»، تلك التي قامت على معادلات ديموغرافية واقتصادية وسياسية وعسكرية لم يبقَ منها إلا القليل، والثاني يحاول إدخال منطق التعامل مع الوقائع كما هي، من خلال الإقرار بأخطاء السياسات السابقة، والدعوة إلى تعديل جوهري في الخطاب والقناعات وفي آليّات التمثيل وخلافه.

التيار الأول، سيكون الآن أمام صدمة الواقع الذي يظهره مرة جديدة تابعاً بلا حول وبلا قوة. ينتظر التسوية التي يبرمها الزعيم السنّي مع الآخرين في البلاد وخارجها، ثم يحصل على حصته التي اختارها له الآخرون. وهو فريق لم يعد بمقدوره تعطيل أي تسوية، وأي انسحاب هو عمل تذهب به الرياح السياسية العاتية المقبلة على البلاد. والتيار الثاني، يستعيد موقعه في السلطة التنفيذية، ضمن شراكة تعطيه حق الفيتو، ويكفي أن يعلن العماد عون عدم موافقته على أي تركيبة حكومية، حتى تتعطل التسوية.

وبانتظار أن يخرج من هذه البيئة من يطرح الأسئلة الصعبة بصوت مرتفع، فإن النقاش حول موقع مسيحي متواضع في صياغة الدور الريادي في لبنان، وهو الدور الذي سيظل حبيس التوزع الطائفي، يقودنا إلى ائتلاف جديد، على شاكلة الائتلاف الذي قام في مطلع التسعينيات. ولن يكون بمقدور سعد الحريري الفوز بأكثر مما كان لوالده الراحل، كما لن يكون بمقدور الشيعة استعادة «موقع الأوّل بين متساوين».

المصدر:
الأخبار

خبر عاجل