"خطــــاب النــــدم"
لا شك في ان وليد جنبلاط يثبت مرة جديدة ان في استطاعته كزعيم سياسي ان يكون مالئ الدنيا وشاغل الناس، وحديث البلد، عندما تُتاح له الفرصة وساعة يشاء.
كما يثبت إتقانه فن صنع الحدث، وتوقيته، وانتقاء موضوعه. أيّاً يكن تصنيف هذا الحدث، ووقعه، وانعكاساته على الوضع العام، وعلى تحالفاته وأقرب المقربين من حلفائه.
ولو في عز معمعة تشكيل حكومة يلتقي الجميع على اعتبارها حكومة العهد الاولى، وحكومة إعادة صياغة لبنان الدولة والمؤسَّسات، وحكومة سعد الحريري الذي تهيَّأ للناس ان وليد بك يتخلّى عن الدنيا وعن السياسة ولا يتخلى عنه، أو هكذا أوحت عِشرة السنوات الخمس للجماهير وللملايين.
وباعتراف الجميع، يتمتع وليد بك بقدرة فائقة ومميَّزة على التحرُّك السياسي داخل طائفته وخارج "حدودها"، ووفق قراءته للمرحلة وآفاقها.
لكنه، في ما اعتُبر "صدمة الأحد"، ذهب بعيداً، وبعيداً جداً. وفي وقت يبذل حليفه الاول وصديقه الأقرب سعد الحريري قصارى جهده لإنضاج تشكيلة حكوميَّة تستجيب بصيغتها وأسماء وزرائها لمتطلَّبات اللبنانيين والحالة اللبنانية بصورة عامة، وتنال تأييد جنبلاط ودعمه قبل الآخرين.
كما لو انه ينوي عدم العودة، وتخطٍّي كل الحدود السياسيَّة والبريَّة والبحريَّة، مُيَمٍّماً وجهه شطر الضفة الأخرى.
هذه الحركة السريعة في ذاتها ومدلولاتها، تطرح على رئيس "اللقاء الديموقراطي"، وحتى على جمهوره، مزيداً من علامات الاستفهام. ومن الاسئلة التي لا يمكن تجاهلها، أو تبديدها بتوضيحات عابرة، أو بكلمات تفسِّر الماء بعد الجهد بالماء.
فهو وليد جنبلاط، الاسم البارز في واجهة لبنان السياسي، ومنذ القدم. لذا تتصف مواقفه وكلماته وتحالفاته بالتحوُّلات، بل بالتغيّرات التي ليس من السهل تجاهلها، وخصوصاً عندما تترتَّب عليها افتراقات وانقسامات من شأنها زعزعة كل ما كان مرسوماً ومتفقاً عليه قبل الانتخابات النيابيَّة وخلالها وبعدها.
ويتوقع الناس من وليد بك ان يوضح لهم "الصورة"، وما وراء الأكمة و"خطاب الندم" الذي يشير الى رغبته في اعادة التموضع، والتمركز في منزلة بين المنزلتين، كما أشار قبل أيام، بما يجعل الكلام عن "الكتلة الرئاسيَّة" كأنه وضع قيد الترجمة واقعياً.
إلاّ أن ما لا بدَّ من الإجابة عنه هو السؤال عما اذا كان تعجيل جنبلاط في إعادة النظر وإعادة التموضع يعود الى خشية ما، الى مخاوف من الأسابيع المقبلة، مع ما يتردّد عن احتمالات نشوب حرب أو حروب في المنطقة؟
أسئلة أخرى كثيرة تنتظر توضيحاً للموقف الجنبلاطي الجديد، وبما من شأنه تخفيف وطأة "الصدمة"، وتخفيف حدة الموقف برمّته، ووقعه حتى على بعض محيطه والمحيطين به.
حتماً لن يقف أفرقاء 14 آذار مكتوفين حيال هذا الصدع وهذا الانشقاق الذي أحدثه الخطاب – المفترَق. انما لا يزال من المبكر التكهن بما سيحصل لاحقاً.
حتى بالنسبة الى جنبلاط نفسه، وما اذا كان سيعيد النظر في "خطاب الندم"، أم يتابع الخطى صوب الاتجاه الجديد الذي انكشفت معالمه قبل ان تبدأ عملية الانتقال.
علماً ان معظم جمهور رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي لا يزال على تمركزه داخل 14 آذار، مما قد يضع وليد بك أمام استفسارات محرجة من داخل البيت الدرزي.
رغم ذلك كله لا بدَّ من الانتظار، واعطاء عامل الوقت دوره. إذ ليس من المستغرب أو المستبعد ان يكون اللبنانيون على موعد آخر مع مفاجأة جديدة تطلُّ هذه المرة من المصيلح، وتحت العنوان عينه.
والخبراء في المزاج الجنبلاطي والمزاج السياسي اللبناني، ينصحون بالتريُّث في الاستنتاجات والتحليلات، ريثما تتبلور المواقف لدى الموالين والمعارضين معاً.
فهل يأتي جواب 14 آذار عَبْر تشكيلة حكوميَّة غير متوقعة؟
