سكتة بضربة "يسارية" !
ترجّح ظواهر "الأزمة الجنبلاطية" التي تفجّرت على مشارف النهايات الموعودة لولادة حكومة سعد الحريري وأصابتها بسكتة سريرية، وتمديد "عصر" تصريف الاعمال الى أمد غير محدود، في أقل الحدود. هذه الازمة لن تكون كما تراءى لبعض المستعجلين مجرد إعادة تصنيف رقمي لمعادلة 15 – 10 – 5 بتجزئتها واضافة خانة جديدة لليساريين الجدد – القدامى في موقع رابع ممتاز ومميز، بل هي أعمق بكثير حتى من ظواهر الصدع الذي حلّ بفريق الغالبية.
ذلك أنه ليس خافيا أن التوقيت الذي اختاره رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط لضربته المباغتة بدا أشد قسوة على مسار الولادة الحكومية من المضمون الملتهب الذي سدّد أدبيات الانفصال الى تحالفه مع قوى 14 آذار. حتى زعماء المعارضة أنفسهم، لا يملكون مفاتيح سرّ هذا التوقيت إن لم نقل إن بعضهم يتوجس من مفاعيل جانبية يمكن ان ترتبها الضربة الجنبلاطية على التسوية الحكومية.
الثابت في هذا المجال أن جنبلاط كما قصد تفجير قنبلة عنقودية في خروجه من "المعسكر اليميني" والعودة الى أصوله اليسارية، اختار التوقيت عن "سابق قصد وتصميم" لأنه أدرك ان استباق تشكيل الحكومة بهذا الخروج المدوي ما كان ليحدث المفاعيل السياسية نفسها، وكذلك الامر ربما لو تأخّر في ذلك الى ما بعد تشكيلها. في عز الانصراف الى معالجة آخر عقد الولادة، جاءت الضربة الجنبلاطية في اللحظة التي تعطي صاحبها القدرة والسطوة الكليتين على حرف المسار الحكومي ومعه كل المسار السياسي نحو الموقع الذي أراده جنبلاط وتاليا فرض قواعد جديدة للعبة من وحي الاستدارة الهائلة التي أنجزها بالكامل.
ولكن على المهارة المشهودة لصاحب هذه الضربة "من الداخل الى الداخل" ثمة ما بدأ يستدعي سؤالا أساسيا في هذا السياق، هو: الى أي مدى فعلي احتسب جنبلاط أن يوفر لضربته انعكاساتها ومفاعيلها من دون أن تشكل خطرا في تجاوز خط أحمر على صعيد تهديد التركيبة الحكومية الناشئة والمرعية بتفاهم خارجي مزعوم (سوري – سعودي) وداخلي ناقص (سني – شيعي) قبل ان تكتمل حلقات كل من التفاهمين مع سائر المعنيين؟
تحفز على هذا السؤال ردة الفعل المباغتة ايضا لـ"تيار المستقبل" أولا والوجوم غير المسبوق والمكتوم والشديد التعبير عن أزمة معتملة في علاقة جنبلاط بأكبر حلفائه "سابقا" الرئيس المكلف سعد الحريري.
ما بين رد "تيار المستقبل" على جنبلاط والتراكم السريع الصامت لجليد ناشئ بين قريطم وكليمنصو والجمود القسري الذي أصاب تشكيل الحكومة، تبدو مفاعيل الضربة الجنبلاطية كأنها تجاوزت كل التوقعات حتى في ذهن صاحبها وتقديراته المسبقة. فالزعيم الدرزي من دون منازع الذي سلم له الجميع بمبررات موضوعية عدة في السابق في اختطاط نهج تصويب علاقته وطائفته بالشيعة وحتى بدمشق، توغل بعيدا في ادانة غير مبررة لحقبة تحالفه مع 14 آذار. لو اقتصر الامر على نقد ذاتي لنهجه، حتى وهو الزعيم القاطرة لفريق الغالبية طوال أربعة أعوام، لكانت المفاعيل أقل حدة وقسوة. لكنه في تبرير عودته الى "اليسار" صنّف الحركة الاستقلالية بأنها معسكر يميني جائر. واقع الحال أن تصنيف اليمين واليسار غادر واقع لبنان على الاقل منذ هزمت الاحزاب – الطوائف او بالاحرى الطوائف الحزبية المتراصة الشديدة الصلابة والمنعة كل تصنيف آخر وأقامت قلاعها فوق أشلاء العلمنة واليسار وركامهما المتهالك. ويصعب كثيرا والحال هذه تبرير توقيت الضربة وكذلك ترميم الادانة الجانحة لقوى 14 آذار بأدبيات العودة الى اليسار. لو لم يكن التوقيت سياسيا لكان اليسار العائد يحتمل أي موعد آخر. ثم من قال ان قوى 14 آذار ليست في حاجة الى يسار ولا تأتلف معه؟ وماذا كان يمنع ضخ الفريق الاستقلالي بانعاش يساري من الداخل؟