التحالف "الإستقلالي" إبن تجربة تسع سنوات من التطوّر السياسي والميداني
استمرار 14 آذار على أساس المناصفة ضرورة تاريخية كيانية
نشأ تحالف 14 آذار بحكم الضرورة. والأصحّ أنّه نشأ بحكم ضرورات ثلاث:
– ضرورة فرضها "التطوّر السياسيّ الطبيعيّ" للحراك السياديّ والإستقلاليّ منذ إنتخابات 2000 ثم النداء الأوّل لمجلس المطارنة الموارنة فقيام "قرنة شهوان" فمصالحة الجبل والتصدّي لـ 7 آب، ومن فرعيّة المتن الشمالي عام 2002 إلى لحظة فرض التمديد التعسّفي للرئيس إميل لحّود خلافاً لإرادة معظم اللبنانيين وإنتهاكاً لحرمة الدستور. تطوّرت هذه الضرورة إنطلاقاً من ضغط موضعيّ سياديّ بدأ في المنحسر المسيحيّ وأخذ يتمدّد خارجه، وبالتقاطع مع معركة ديموقراطيّة خيضت ضدّ النظام الأمنيّ لا سيّما في انتخابات 2000، وكان الرئيس الشهيد رفيق الحريريّ ركنها الأهمّ.
– أما الضرورة الثانية فجاءت "اضطراريّة"، في أعقاب إغتيال الرئيس رفيق الحريري، حيث كانت الحاجة لتنظيم أوسع إئتلاف سياسيّ منخرط في إنتفاضة الإستقلال ومناد بخروج القوات السوريّة من لبنان، وكان التحالف "إضطراريّاً" حينها لأنّ المجموعات المختلفة كانت في طور "التعرّف على بعضها البعض" وخوض تجربة العمل الجبهويّ في الوقت نفسه. لو لم تكن هذه الضرورة "الإضطرارية" مستندة إلى الضرورة الأولى التي فرضها "التطوّر السياسيّ الطبيعيّ" للحراك السياديّ والإستقلاليّ لما كان من الممكن تصوّر يوم 14 آذار 2005 الإستثنائيّ في تاريخ لبنان والشرق. في الوقت نفسه ما كانت هذه الضرورة "الإضطرارية" قادرة على تفادي دهليز "التحالف الرباعيّ" الذي طرح نفسه على أنّه "إضطراريّ" هو الآخر.
– وإذا كانت الضرورة الأولى "تراكميّة" والثانية "إضطراريّة"، فقد فرضت ضرورة ثالثة نفسها في سياق الصراع المرير مع المشكلة التي لم تزل مستعصية وهي مشكلة السلاح الخارج عن إطار الشرعيّة. المفارقة الكبرى في هذا المجال، هي أنّ قواعد الحركة الإستقلاليّة لم تتحد بشكل متين ونوعيّ مثلما إتحدت في مرحلة الضرورة الثالثة تلك، ذات الطابع النزاعيّ المواجِه. في الوقت نفسه فإن ظروف الصراع مع مشكلة السلاح كانت تزكي التناقضات في الجسم الإستقلاليّ الواحد، وهو ما برز بشكل كبير بعد 7 أيّار، ونتيجة لإختلاف سياقات العملية الأمنية تلك بين بيروت من ناحية ومنطقة الجبل من ناحية ثانية في مقابل سكون الساحة المسيحيّة.
تشكل هذه "الضرورات الثلاث" تاريخ الحركة الإستقلاليّة، حركة 14 آذار، وهي بتضافرها تؤسس لـ"ضرورة تاريخيّة ـ كيانيّة" يفترض أنّها تتخطّى بشكل نوعيّ كلّ ضرورة ذات طابع "إضطراريّ".
بيدَ أنّ إستجماع الضرورات الثلاث في ضرورة تاريخيّة كيانيّة واحدة لم يكن متاحاً قبل أن تكون للحركة الإستقلاليّة مقولتها الملكة في إصلاح النظام السياسيّ وشبكة العلاقات بين المجموعات اللبنانيّة، وهذه المقولة الملكة إسمها "المناصفة"، المناصفة المسيحيّة الإسلامية علّة لإستمرار وجود وتطوّر الكيان اللبنانيّ. الضرورات الثلاث الآنفة الذكر لا قيمة لها ما لم تزكي الضرورة التاريخيّة لفلسفة "المناصفة" ودولة "المناصفة"، والحركة الإستقلاليّة اليوم، خصوصاً بعد "إعادة إنتشار" كتلة "اللقاء الديموقراطيّ" لا يمكنها أن تستنهض نفسها إلا على قاعدة "المناصفة".
كان لشعار "المناصفة" أو لمضامينها العملية الميدانية الأثر الأبرز في فوز 14 آذار في الإنتخابات النيابيّة، لكن يمكن القول إنّ الحركة الإستقلاليّة تدفع ما تدفعه اليوم، وتجتاز المحنة، لأنّ أكثر أركانها، وبشكل أساسيّ الرئيس المكلّف سعد الحريريّ وضعوا "المناصفة الإسلاميّة – المسيحيّة" فوق أي صيغة أخرى، سواء لإدارة الشراكة داخل 14 آذار نفسها، أو لإدارة الشراكة بين 8 و14 آذار.
والمفترق الحاسم اليوم قائم هنا: بين من يؤمن بـ"المناصفة" ومن لا يؤمن بها، والمناصفة المسيحية الإسلامية الدائمة لا يمكنها أن تكون ضرورة عابرة أو عارضة أو مؤقتة، كما لا يمكن أن يكون الدفاع عنها موسميّاً ونسبيّاً وملتبساً. إنها ضرورة تاريخية – كيانيّة. ليس من 14 آذار بعد اليوم إن لم تكن "المناصفة" شعارها المركزيّ، وليس من خطر على 14 آذار إذا كانت "المناصفة" جوهر ما تطرحه في كل الميادين.
في الوقت نفسه، على خط "المناصفة" أن يبذل كل جهد لإعادة الوصل مع القوى المفترض فيها أن تكون في متن الشراكة الإسلامية – المسيحيّة لا على هامشها او على نقيضها، كما أنّ خط "المناصفة" هو المدخل للتواشج مع طروحات رئيس الجمهورية ميشال سليمان، وتحديداً في ما يتعلّق بأفكاره حول تشذيب الدستور من ثغراته بما يضمن تفعيل المؤسسات وسلطة التقرير.