وليد جنبلاط ما له وما عليه
اذا كان النائب وليد جنبلاط وجد، بعد قراءة متأنّية للمرحلة التي أعقبت 7 أيار الدامي، ان مصلحته الشخصية، ومصلحة طائفته، ومصلحة حزبه، تقضي بأن يترك تكتل 14 آذار، فهذا حق لا ينازعه فيه منازع.
واذا كان وجد، بعد استشارات ومشاورات واستشعار عن قرب او عن بعد، ان هذه المصالح تتأمن بالانضمام الى تكتل الثامن من آذار، والقفز منه الى سوريا فايران او العكس بالعكس، فهذا ايضاً من ضمن ممارسة حق التعبير والتصرّف والتنقل والتموضع، وقد يدفع بحلفائه وأصدقائه الى الاستغراب والاستهجان، ولكن خطوط التواصل مع احد اهم رموز انتفاضة الاستقلال، تبقى قائمة ومستمرة ويبقى دائماً للصلح مطرح مع رفاق الدرب الاستقلالي.
أمّا ان يتصرّف مع حلفائه وحتى مع محازبيه والمقرّبين منه، ممن دفعوا دماءهم وارواحهم ثمناً لحريتهم وكرامتهم وسيادتهم وقرارهم الحر، على هذا النحو من التهجّم والاتهامات والنعوت المسيئة، قبل الانتخابات وأثناءها وبعدها، وعلى ابواب تشكيل حكومة هي الأولى لابن الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي عقد معه جنبلاط حلفاً مقدساً، وجدد في اكثر من مناسبة مع سعد الدين رفيق الحريري هذا الحلف، فهذا تصرّف غير مقبول، ومن المعيب ان يصدر عن قيادي في مستوى وليد جنبلاط، لعب دوراً مؤثراً واساسياً في مصالحة تاريخية، بين مكوّنين اساسيين في كياني لبنان الصغير ولبنان الكبير، وعاد ولعب الدور ذاته في انتفاضة الاستقلال الثاني بعد اغتيال الرئيس الحريري.
كان بامكان وليد جنبلاط ان يذهب بهدوء وعقلانية الى مكان تموضعه الجديد – وهو ابن طائفة شعارها العقل – تواكبه تمنيات رفاق دربه بالنجاح والتوفيق وراحة البال في محطته الجديدة، بدلاً من هذه الزوبعة التي أثارها، الاّ اذا كانت مطلوبة حيث هو ذاهب، ولا يقل لنا انه ذاهب الى اليسار، لأن اليسار مات وقبر يوم اغتالوا جورج حاوي وسمير قصير، بعدما اغتيل سابقاً رمز اليسار كمال جنبلاط، ولا يقل لنا انه ذاهب الى العروبة، حيث لا عروبة بعد عروبة اللبنانيين الموارنة، ولا عروبة بعد جمال عبد الناصر، والملك فيصل، وشكري القوتلي، ورياض الصلح، وبشاره الخوري وفؤاد شهاب، وجورج حبش، الاّ اذا كان هناك عروبة جديدة لا نعرفها، يدخل الذاهب اليها من البوابة الايرانية.
غلطة الشاطر بألف، يقول المثل، ووليد جنبلاط شاطر، ولذلك كان لمفاجأته الغلط هذا الوقع الكبير في لبنان وخارج لبنان، امّا رفاق مسيرة الاستقلال الثاني، فليسوا في موقع محاسبة وليد جنبلاط، بقدر ما هم في موقف الرفض والعتب والكثير من الغضب، وهذا الموقف تجلّى بكامل صدقه في بيان تيار المستقبل رداً على تفخيخ مقصود او غير مقصود، ارتكبه جنبلاط بحق المساعي الشاقة التي يبذلها سعد الحريري لتشكيل حكومته، حيث كان يتوقع ان تأتيه العرقلة من مطلق شخص، الاّ وليد جنبلاط «الحليف الابدي السرمدي» على ما كان يعلن ويقال، وربما كان موقف جنبلاط وراء قطع الحريري مساعيه والذهاب الى الخارج في زيارة او اعتكاف.
اما وان المحظور قد وقع، وانفخت دفّ 14 آذار، فقد اصبح من الواجب ان ينفخت دفّ 8 آذار ايضاً، حتى تتحقق نبوءة الرئيس نبيه برّي، بأن يتم صهر 8 و14 في وحدة وطنية برعاية وضمان وتوجيه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، ويتحقق ايضاً توقّع وزير خارجية مصر بأن خطوة جنبلاط ستكون في مصلحة توحيد الصف اللبناني في مواجهة ما يحكى عن اخطار تحبل بها منطقة الشرق الاوسط، وقد تكون ولادتها على الارض اللبنانية، علماً بأن حركة 14 آذار هي اكبر من الزعامات والقيادات والاشخاص، لانها انتفاضة شعبية عابرة للحدود والمناطق والطوائف والمذاهب، ومن يخرج منها يخرج وحيداً، فنبضها الاستقلالي السيادي اللبناني العربي الديموقراطي، سيبقى يدق بقوة في صدور جميع اهلها، حتى عند اولئك الذين ذهبوا مع وليد جنبلاط الى تموضع آخر، نتمنى ان يكون في حصّة رئيس البلاد النيابية والوزارية، لأن كل من يدعم عهد الرئيس سليمان، انما يكون يدعم الصدق والوطنية والشفافية وقيام الدولة القوية القادرة الواحدة الموحّدة، ويدعم بسط سلطة الجيش على كامل التراب اللبناني، وبذلك يتحقق قسم كبير واساسي من اهداف 14 آذار وثوابته.
* * * * *
ما زال الوقت باكراً جداً لمسارعة البعض الى تقبّل التهاني وتوزيع الحلوى على نيّة انتفاضة 14 آذار التي «اغتالها» المناضل اليساري وليد جنبلاط، لأن الزعيم الاشتراكي سيفتش كثيراً ولن يجد يسارياً او عروبياً واحداً يحقق له «نوستالجيا» تأخذه بين الحين والآخر، كما تأخذ غيره، الى زمن عبر ولن يعود لأن التاريخ لا يعيد ذاته، وكما ترك اقطاب 14 آذار وقياداته مقاعد شهدائهم فارغة الاّ من العلم اللبناني، اغلب الظن، سنداً الى ردات فعلهم الهادئة، انهم سيتركون لوليد جنبلاط مقعداً شاغراً لا بدّ ان يعود اليه بعد هدوء العاصفة.
في النهاية، هناك سؤال لا يمكن لاحد ان يجيب عليه سوى وليد جنبلاط:
متى يعتقد وليد جنبلاط ان والده الشهيد كمال جنبلاط قد ارتاح في قبره، هل عندما وضع وليد زهرة حمراء على ضريحه بعد تحقيق قيام المحكمة الدولية، ام عند اجتماع الجمعية العمومية للحزب الاشتراكي يوم الاحد الماضي وسماعه خطاب وليد؟