بعدما تأكد أن إدارة أوباما لم تغيّر شيئاً ولا النظام السوري تغيّر
جنبلاط يردّ على البراغماتية الأميركية بسياسة التكيّف
لماذا انقلب النائب وليد جنبلاط على كل مواقفه وعاد بها الى الوراء وكأن العروبة التي يدعو اليها لا تزال عروبة مصر عبد الناصر او انها لم تتكرس في الدستور والقضية الفلسطينية ما زالت كما كانت زمن ابو عمار ودفع لبنان الكثير من اجلها او كأن سوريا لا تزال دولة ممانعة ولم تدخل في مفاوضات مع اسرائيل وانها اصبحت اكثر قربا الى ايران من العرب، وهي تسعى جاهدة الى الانفتاح على اميركا، او كأن ايران ما زالت في زمن حكم الرئيس خاتمي او رفسنجاني؟
ثم لماذا لم يشرح جنبلاط إن لم يكن لجمهور 14 آذار فأقله لجمهوره اسباب قيامه بهذا الانقلاب الا اذا اعتبر هذا الجمهور ملك يديه؟ ولماذا لم يواجهه قبل الانتخابات بمواقفه الجديدة المحيرة ليس لقوى 14 آذار بل لقوى 8 آذار ايضا ولا تجد تفسيرا لها، كي يحتكم للناخبين وليس بعد الانتخابات فيفاجئهم بمواقف قد لا تحظى بتأييدهم؟ ولماذا كانت مواقفه المستغربة قبل تأليف الحكومة؟ ولماذا محا بدقائق تصريحاته وخطبه النارية وقوله فيها: "على "حزب الله" حسم موقفه إما هو مع الدولة وإما جزء من مشروع ايراني" وقوله: "خائن في صفوفنا من يفكر في المساومة وسيحكم عليه بالاعدام المعنوي والسياسي وان السلاح الذي يحمي انظمة الحقد والاستبداد بين بيروت وايران عبر نظام دمشق ليس مقدسا"، وحذر من "مقايضة المحكمة الدولية على حساب العدالة والسيادة والحرية"، وقوله: "إن ثورة الارز لم تنته وما زال النضال طويلا للغاية امامنا وانه لا يمكن وجود دولة موازية للدولة في لبنان وحزب يقرر السلم او الحرب"، وقوله: "لن يرتاح لبنان ما دام هناك نظام ديكتاتوري الى جانبه"، وقوله في ذكرى 14 شباط الماضي لاغتيال الرئيس الحريري ورفاقه: "بين آذار وآذار طال الانتظار، فلا تسوية ولا تهدئة ولا اعتذار والثأر الثأر يا بشار". وقوله قبل موعد الانتخابات في 7 حزيران: "اذا سقطنا في الانتخابات فسيدير رستم غزالي لبنان من مكتبه في الشام"… وكان اهم ما قاله امام الصحافيين بعد لقائه البطريرك الكاردينال صفير في بكركي وقبل موعد الانتخابات بقليل: "لقد فهمت رسالة اميركا في اللحظة الاولى عندما زرتها عام 2006، آنذاك قالت لي الوزيرة رايس انه لا بد من تغيير سلوكية النظام السوري وهذا كان رأيها، واليوم يتركون على ابواب الرحيل الادارة الجديدة التي تريد فك الاشتباك وتريد العودة الى العلاقات لكن من حقي ان احذر بأنهم في النظام السوري اختصاصيون في مضيعة الوقت وفي المحادثات من اجل المحادثات وفي الحوار من اجل الحوار وعلينا ان نكون حذرين اذا ما عاد ونشط المسار السوري – الاسرائيلي ألا يكون هذا المسار على حساب لبنان"… فماذا يعني النائب جنبلاط بقوله انه فهم رسالة اميركا في اللحظة الاولى عندما قالت له الوزيرة رايس انه لا بد من تغيير سلوكية النظام السوري وان هذا "كان رأيها" ولم يكن رأي جنبلاط الذي يعلم بخبرته ان اي نظام مثل النظام السوري لا يستطيع تغيير سلوكيته ما لم يتغير، وقد فهم ان الادارة الاميركية ولا سيما المحافظون المتشددون فيها يرفضون تغيير هذا النظام بل يكتفون بالضغوط السياسية والاقتصادية لحمله على تغيير سلوكه فقط…. ويرفضون حتى معاملة هذا النظام بمثل ما يعامل لبنان، اي متفجرة في بيروت تقابلها متفجرة في دمشق، واغتيالات في لبنان تقابلها اغتيالات في سوريا…
وكان جنبلاط قد قرأ حديثا لمستشار وزارة الدفاع الاميركية السابق ريتشارد بيرل اعرب فيه عن الاسى لما لمسه من تفرق في اوساط المعارضة السورية متحدثا في الوقت نفسه عن النظام السوري بلهجة مرنة غير معهودة وهو من اقوى الشخصيات في واشنطن التي كانت تدعو للتغيير في سوريا، لكن بيرل لمح الى امكان قبول تغيير جذري يدخله النظام على نفسه رغم انه ابدى تشاؤما في امكان حدوث ذلك، مستخدما عبارة "ان الاسد لا يغير جلده"… وقال بيرل: "اذا ما غير النظام السوري سلوكه بشكل جذري وكامل بما يكفل التحول من الديكتاتورية الى الديموقراطية وانهاء العداء للولايات المتحدة، فانه يكون بذلك قد اقام نظاما جديدا، واكد انه لن يدعم نقل سوريا من ديكتاتورية علمانية الى ديكتاتورية دينية.
وفي المعلومات ان النائب جنبلاط اعاد مراجعة مواقفه السياسية بعد تلك الزيارة للولايات المتحدة الاميركية في ضوء نتائجها التي لم تكن مرضية بالنسبة اليه اذ تأكد ان ادارة الرئيس بوش ليست في وارد تغيير النظام السوري بل السعي الى تغيير سلوكه فقط، وهذا صعب ان لم يكن مستحيلا في نظره، وهذا ما جعل جنبلاط يصف تلك الزيارة بـ"النقطة السوداء" في سجل حزبه…
وتفيد المعلومات ايضا ان جنبلاط اراد ان يختبر حقيقة الموقف الاميركي في لبنان بعد تلك الزيارة وكيف ستتصرف الادارة الاميركية اذا تصدت قوى 8 آذار وتحديدا "حزب الله" لقرارات الحكومة وخصوصا المهمة وتعني هذا الحزب بالذات، فوجد ان اختبار نية الولايات المتحدة الاميركية وحقيقة تصرفها حيال ذلك يكون بصدور قرار عن مجلس الوزراء يتعلق بنقل رئيس امن المطار وبوقف العمل بشبكة الاتصالات الخاصة بـ"حزب الله" وباصراره على صدور هذا القرار تحت طائلة التهديد بسحب وزرائه من الحكومة، وقد وجدت الحكومة نفسها حينها بين نارين: نار انسحاب هؤلاء الوزراء فتتعرض الحكومة برمتها للاستقالة، ونار مواجهة تداعيات اتخاذ هذا القرار ومضاعفات تنفيذه، فاختارت الحكومة اهون الشرين وهو صدور قرار بنقل رئيس امن المطار ووقف العمل في شبكة الاتصالات التابعة لـ"حزب الله"، لكن تبين ان الحكومة اختارت الشر الاكبر فكانت حوادث 7 ايار الشهيرة التي لم تتوقف الا بعد ارغام الحكومة على التراجع عن قرارها وبعد موقف آخر لجنبلاط اثار الاستغراب والدهشة اذ هدد فيه بسحب وزرائه من الحكومة اذا لم تتراجع عن قرارها…
والسؤال المطروح هو: لماذا اصر جنبلاط على صدور القرار المذكور عن مجلس الوزراء، ثم عاد وطلب التراجع عنه تحت طائلة التهديد بسحب وزرائه؟ ولماذا أعاد جنبلاط النظر في مواقفه السياسية التي اتخذها على مدى اربع سنوات وقرر الخروج من 14 آذار واعادة تموضعه في الوسط حتى الآن وكأنه كان مدة اربع سنوات في المكان الخطأ وفي الموقف الخطأ؟
الجواب بحسب المعلومات هو ان جنبلاط بات مقتنعا بأن الولايات المتحدة الاميركية، مثل كل دولة كبرى، تقدم مصالحها على مصالح غيرها حتى ولو كانوا اصدقاء وحلفاء. فعندما وقعت احداث 7 ايار لم يصدر عن الادارة الاميركية اي ردة فعل لا بل غابت التصريحات التي عادة ما كانت تصدر فور حدوث ما هو دونها اهمية. وعاش جنبلاط تلك الفترة حالة احباط شديد لم يعشها من قبل، وتراءت له صورة الوضع في المنطقة على نحو مخالف لكل تصور سابق، فايران بثورتها الوثابة اخذت تخيف دول الجوار وتربك دول العالم، والعرب يعيشون حالة الرجل المريض… وقوى 14 آذار اذا خسرت الانتخابات، فلا يبقى عندئذ امام بعض اركانها سوى البحر او مواجهة الانتقام، واذا ربحت باصوات قليلة، فلن تدعها الاقلية المدعومة من ايران وسوريا تحكم بدون مشاركتها، وهي مشاركة تخضع اتخاذ القرارات المهمة للتوافق والا بقيت مجمدة، لا بل ان القرارات حتى العادية قد لا تصدر الا بالتوافق ايضا… فيما الادارة الاميركية الجديدة، التي قررت اعتماد سياسة الحوار والتفاوض لحل المشكلات في المنطقة، لم تستطع حتى الآن معالجة الملف النووي الايراني، ولا ملف القضية الفلسطينية، وهي غارقة في هموم العراق وافغانستان وباكستان، واعتبرت تبادل التمثيل الديبلوماسي بين لبنان وسوريا انجازا قد يكون كافيا لاعادة العلاقات الى طبيعتها بين البلدين، ولا مانع لدى هذه الادارة من ان يكون لسوريا دور سياسي في لبنان لحل المشكلات القائمة فيه، وقد بدأ هذا الدور مع التكليف ثم التأليف وبعدهما التوافق على البيان الوزاري، كما لا مانع لديها ان يكبر حجم هذا الدور اذا ما تحقق السلام بين اسرائيل من جهة ولبنان وسوريا من جهة اخرى، وان تتم التضحية بالاشخاص وان كانوا حلفاء او اصدقاء من اجل كسب الاعداء… فمعروف عن الولايات المتحدة الاميركية انها تجيد السياسة البراغماتية وتتعاطى مع الامر الواقع، وإن غير مقبول منها، عندما تفشل في تغييره لذا كان لا بد من مقابلة هذه السياسة البراغماتية بسياسة التكيف وبعبارة "قوموا لنهنّي"!!