ما الذي قتل رفيق الحريري: لبنانيته أم عروبته؟
في مقاربة التطورات المربكة، ووسط القراءات الحائرة لمقتضيات إعادة التموضع التكتيكي بين المراجعة الداخلية الجدية والصحية، والنقد الذاتي الذي يبلغ حدّ جلد الذات تحت وطأة انعدام الدولة والخوف من السلاح المتفلت في محيط شديد الاضطراب، يبدو خيار تقويم الصورة عن بعد، حقيقة ومجازاً، خياراً صائباً وأقرب الى مجانبة التسرّع في اطلاق الأحكام.
ثنائية العروبة والاستقلال
تأسيساً على ما يشغل الداخل اللبناني هذه الأيام، ثمة سؤال ضروري، هو:
هل كانت "لبنانية" رفيق الحريري هي السبب الوحيد وراء اغتياله بالوحشية التي شهد عليها العالم ولبنان معه، مع أنها بذاتها سبب كاف للقتل، أم أنها اقترنت "بموجبات" أخرى، كعروبته مثلاً، لا تقل أهمية عن السبب الأول في ايصال حاملها الى ذلك المصير التراجيدي ـ كما الملاحم ـ في أحد شوارع مدينة بيروت؟
الواقع أن ثنائية العروبة والاستقلال وارتباط القومية بالوطنية، كانت معاني شديدة الحضور في فكر الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي أمضى عقد الثمانينيات كاملاً متجولاً في العواصم العربية، إنطلاقاً من الرياض ودمشق وبالتساوق والتواصل مع الرؤية المدنية والسياسية التي تطورت لديه لبناء لبنان، وإعادة إحياء اقتصاده بعد الحرب، والمساهمة في صنع مستقبل عربي مختلف، بقوة العمل وقوة النموذج، وصبر المدرك لحجم المخاطر.
.. وكان اتفاق الطائف الذي مثّل تجديداً للإجماع اللبناني والعربي حول لبنان، ونتيجة مثمرة لهذا الجهد الكبير: يعيد السلم الداخلي، وينظم العلاقة بين السلطات من أجل التطوير والإصلاح وبناء الدولة العصرية، ويحفظ الانتماء العربي للبنان، وقد عبّر الرئيس الشهيد ذات مرة عن هذا الفهم للطائف، الذي شارك في صنعه من موقع متقدم، فقال في خطاب الجامعة الأميركية الشهير في 13 تموز 1992، قبل اشهر من توليه رئاسة الحكومة للمرة الأولى: "إن الطائف حصيلة تلاقي إرادات لبنانية وعربية ودولية، والمطلوب اليوم تطبيقه لمصلحة سائر الجهات والوظائف، الإعمار الداخلي والنهوض عن طريق مشاركة جميع اللبنانيين، وإقامة حكومة الوحدة الوطنية، وإعادة لبنان ـ الدولة الى الساحتين العربية والعالمية".. ثم لما تولى الحكم شعر بأن لهذا المشروع خصومه من أطراف الحرب الداخليين ومن المستفيدين من غير هؤلاء الذين عملوا جميعاً على عرقلة تطبيق الطائف.
"لبنان أولاً".. موقف أم نهج؟
لقد احتل الرئيس الشهيد موقعاً في تاريخ السياسة والزعامة العربيتين يرقى الى مراجعة نوعية لما هو مألوف في هذا السياق. ذلك أن الوطنية كما تجسّدت فيه تتصل بفهم شاع قبل عقود طويلة. يرى السياسة جزءاً يُتوّج ما يمر به المجتمع، فتتسع رقعتها من غير أن تسدد انقلاباً الى الداخل الاجتماعي، ومن دون أن تحلّ، بوصفها "قضية مقدسة"، محل البشر وشروط حياتهم، قبل أن يقحم المنطق العسكريتاري والانقلابي والاستبدادي، ولاحقاً المليشياوي، منطقه على الاجتماع السياسي العربي الحديث، وبالآليات المعروفة إياها.
وعلى هذا "الفهم" ينبني افتراق في معنى الوطنية بين النهجين، فإن تقول "لبنان أولاً"، مثلاً، فهذا موقف ايجابي ينازع به المتربص بالوطن والأرض والمقدرات والسيادة، حتى لو كان قريباً في الجغرافيا، تماماً مثلما ينازع به المستعمر الغريب. وليست الوطنية موقفاً ذئبياً، نفعياً، مصلحياً، آنياً متقلباً، يستقي مضامينه من عداوة راديكالية، بمفاهيم مطاطة، مناهضة للامبريالية أو الاستعمار أو الشيطان الأكبر، من دون اجتراح أي حل في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الثقافة.
لنأخذ على سبيل المثال كلاماً مكرراً عن العروبة (تحديداً بعد أحداث 7 أيار الرهيبة)، لماذا لا يقول هؤلاء أين قصّر رفيق الحريري، وسنّة لبنان، وتيار المستقبل، بحق فلسطين والعروبة؟ هل أخطأوا عندما اخرجوا فلسطين من المزايدات الرخيصة التي تطلقها أنظمة عربية رغبة بمشروعية ما، بينما لا طلقة رصاص على حدودها المحتلة منذ عقود؟ لماذا لا يقول هؤلاء ما المطلوب بحق فلسطين لنقوم به اليوم قبل الغد؟
زعامة مؤنسنة وزعامات الحرب
في أسباب تغييبه، أن رفيق الحريري كان في سياسته ووطنيته، بل في مجمل سلوكه، أهلياً. فقد مثّل طائفة من دون أن ينحصر بها، ومثّل وطناً من غير أن تسجنه حدوده. وعلى الرغم من ولعه بالتحديث وأدواته وتقنياته، ظل النشاط الخيري، وقيم التعاضد الأهلي، كما افتراض العائلات وحدات للعمل السياسي، من الثوابت في نشاطه العام.
وبقدر من الاستطراد يجوز القول إن زعامة الحريري، الآتي من الأعمال، شكّلت ارتداداً عن سياسة وفدت زعاماتها من المتاريس وأخرى من المساجد الغاضبة حيث معنى البطولة والبطل مثله المليشيوي ثم الديني، في مقابل ظهور زعامة مؤنسنة لا تحفّ بها هالة مصادرها في قضاء أو قدر. فعلاً لقد اتصف رفيق الحريري بانخفاض النبرة والتخفف من الانتفاخ الخطابي. وهو لم يبرع في تأليف التعابير المحتدمة ولا الشعارات المكثّفة التي تدغدغ، أو ترجّع، إحباطاً يقيم في ذاكرة جمعية ما. فكان، في هذا، يرهن بالعمل والمبادرة ما اعتاد الآخرون ربطه بالحماسة والتعبئة بوصفهما تنفيساً شعورياً ولغوياً في آن.
إذاً، بالسلم ارتبطت سياسية الحريري الأب. وهو لم يطأ السياسة إلا مع اتفاق الطائف وليس عن الطائفة المسلحة، ذاك أن البراغماتي فيه غلب الأيديولوجي، وأكثر من ذلك سعى الى إعمار ما دمره المتقاتلون، وسعى لبناء اقتصاد كان المذكورون قد أطاحوه وأردوه.
العروبة بين الجزء والكل
ومثل المدينية، قامت سياسة رفيق الحريري على الدولة ـ الأمة، لا بوصفها معطى ناجزاً كما يزعم القوميون اللبنانيون شبه الرومنطيقيين، بل بصفتها مشروعاً لبناء لبنان الوطن، فـ "كل" العروبة عنده ضروري للتنسيق بين "الجزء والجزء"، و"الجزء والكل"، ونزعته الاستقلالية هذه هو مدين بها اولاً لوطنية اللبناني المؤمن بوطنه العربي وقيمه وبكل ما فاجأ به شعب لبنان نفسه وغيره من قدرة على التفتح والاستيعاب والتجنّد بلا تحفظ لخدمة وطنه وأمته. فما أعجز من يظن انه يستطيع ان يوحد الجزء الصغير الا بقوة الواحد الكبير او الواحد الكبير بغير الاجزاء الصغيرة. فالعروبة والاستقلال هما الحاضران الدائمان.
لقد تمكن لبنان بغضب شعبه، وقبل ذلك بسخاء روح شهدائه من ان يجعل من نفسه ظاهرة متألقة في نهضة الأمة العربية الحديثة، إذ نجح في ان يكون وهو الوطن الصغير في قياس المادة رمزاً متألقاً لثنائية الاستقلال والعروبة. وهذا دم رفيق الحريري بالأمس القريب ـ القريب جداً ـ شاهد ودم رفاقه الشهداء ينبض بالجسد والعقل والروح والدور والحلم العربي الكبير.
كالكبار الكبار، احتفظ رفيق الحريري حتى آخر لحظة من حياته بقدرته على التعلم من الكبير والصغير. وليس كبيراً في الحقيقة الا من يطلب الكبر في صدق المعاني والمقاييس اولاً وفي خدمة الاوطان والانسان، بعد ذلك.
واخيراً لو أراد رفيق الحريري استقلالاً غير عربي او عروبة غير استقلالية لاستمر حياً بيننا اليوم، ولكنه شأن السابقين الكبار في بلاده كان عربياً واستقلالياً بأبهى ما في الصفتين من تلازم واشعاع وصدق.