اهل الظلام يستعجلون انطفاء نور 14 آذار
بالكاد مرت ساعات قليلة على انتهاء النائب وليد جنبلاط من القاء خطابه يوم الاحد الماضي، والذي اعلن فيه بشكل او بآخر، خروجه وخروج الحزب التقدمي الاشتراكي من تكتل الرابع عشر من اذار حتى استلّ «الوطنيون» و«المجاهدون» و«الغيارى» على السلم الاهلي والوحدة الوطنية سيوفهم الصدئة الحاقدة وبدأوا تقطيعا ونحرا وتمثيلا في ما اعتبروه «جثة» تكتل 14 آذار التي «اماتها» وليد جنبلاط بضربة قاضية وبدأت فبركة الاكاذيب والشائعات تستصرح المستعجلين على تحديد يوم الدفن ومكانه في مشهد يذكر بتلك الايام التي كانت اوراق نعي لقاء قرنة شهوان توزّع يوميا وبذات النصّ، مع تعديل لا يطال سوى توقيت لفظ الانفاس الاخيرة، وعندما انتقلت قرنة شهوان بكامل رموزها وثوابتها الى مدى اوسع وارحب واصدق لبنانيا في 14 آذار من العام 2005 تحوّل الهمّ عند بعض الناس الذي يكرهون كلمات سيادة وحرية واستقلال واستقرار وانتفاضة وثورة وارز وحتى بدأوا يكرهون تاريخ 14 آذار ويتمنّون لو يشطب من ذاكرة الناس والتاريخ الى التصويب على التكتل الشعبي المليوني العريض مستخدمين في حربهم على يوم تاريخي مضيء في حياة اللبنانيين جميع انواع اسلحة الدسّ والشائعة والكذبة والتحريض، معلنين مع كل استحقاق سقوط 14 آذار وموته الى ان حانت اللحظة التي سدد فيها وليد جنبلاط ضربة مؤلمة الى تكتله ورفاق دربه، فزغردت «نوبة» اهل الظلام تبشّر بانطفاء نور الرابع عشر من آذار.
****
هؤلاء الافواه لا يهمهم من موقف جنبلاط الاخير سوى انه «فرط» تكتل الرابع عشر من اذار دون ان يتوقفوا لحظة امام بعض الحسابات الصغيرة السهلة التي تؤكد في النهاية، انه مع خروج النواب الاشتراكيين ومعهم ايضا نواب اللقاء الديموقراطي فإن 14 آذار حتى ولو فقد الاكثرية النيابية وفقد القدرة على تشكيل الحكومة يبقى ذلك التكتل الكبير المؤثر في الحياة السياسية والوطنية والنيابية ويبقى معبّرا عن طموحات وثوابت واهداف مئات ألوف اللبنانيين المنتشرين على مساحة الوطن الام وفي العالم، وهؤلاء لا يشطبهم تصريح مفلس من هنا، ولا رغبة مأجور من هناك، لأنهم تعمّدوا بدم الشهادة والنضال والتضحيات، واصبحوا الرئة النظيفة التي يتنفس منها لبنان وطنية وكرامة وعزّة وحريّة.
ان مسيحيي 14 آذار من قوات وكتائب وكتلويين واحرار وشخصيات مستقلة، وتيارات ومجتمع مدني، ليسوا فريقاً هامشياً، او شعبية محدودة، او ناسا من دون عصب، انهم اباء المقاومة وابناؤها واحفادها، وهم المتمرّسون بالنضال في كل ميدان وساحة، ولا يمكن ان يكونوا بتحالفهم الوثيق مع «تيار المستقبل» العريض وكتلة «لبنان اولاً» سوى الحامي الحقيقي لاستقلال لبنان وديموقراطيته وحرياته، ومعا يحملون راية 14 آذار وما تمثّل وما ترمز، اما ترداد القول وكأنه يأتي من باب الشفقة او من باب التحريض – ان وليد جنبلاط «لن يتخلّى» عن سعد الحريري، وقد « لا يتخلّى» عن سمير جعجع وامين الجميل، فهذا قول ترفضه جماهير 14 آذار رفضاً كاملاً، لان 14 آذار وقياداتها قد بلغوا سن الرشد منذ زمن طويل، ويملكون من القدرات والطاقات والشخصية المستقلة القوية، الشيء الكثير، مما ليس متوفراً عند العديد ممن يعتبرون ذواتهم شواهين.
***
لا احد ينكر ان 14 آذار خسر حليفاً مميّزاً وقيادياً كبيراً، ولكنه حتما لم يخسر حياته ووجوده، وثقل تأثيره على الساحة اللبنانية، لان حجم 14 آذار الكبير، قادر على احتواء الخسارة والاستمرار بأي شكل كان، وقد يكون خروج النائب جنبلاط من صفوف التكتل فرصة امام 14 آذار ليذهب الى صفوف المعارضة ويعطي الفريق الآخر المبتهج بموقف جنبلاط والمتلقف له، درساً في الديموقراطية الحقيقية التي يتشوّق اللبنانيون لممارستها في وجهها الصحيح، اي ان تحكم الاكثرية وتعارض الاقلية، وعندها فقط تسير عجلة الحكم باتجاه واحد وليس باتجاهين، على قاعدة الديموقراطية التوافقية التي يجب ان يزاد عليها كلمة: التعطيلية.
في النهاية، ليت النائب وليد جنبلاط يشرح للبنانيين ماهية الخصوصية الدرزية التي طلب من 14 آذار ان يتفهمّها ويحترمها، لان تكريس خصوصيات المذاهب في لبنان، لا بد وان يؤدي في مكان ما او ظرف ما، الى الانعزال والتقوقع، وهما الحالة التي يرفضها جنبلاط، ويتهم الآخرين بها، وهذا الطلب من شأنه اذا تكرّس عند مختلف المذاهب، ان يسيء الى صيغة العيش المشترك، والى الحلم الذي راود ويراود مؤيدي صهر «الشعوب» اللبنانية في شعب واحد، والدروز في لبنان ليسوا وحدهم اقلية، فالموارنة اقلية وكذلك الارثوذكس والكاثوليك والارمن والشيعة، وحتى السنّة اقلية، رغم كونهم جزءاً من العالم السنّي الواسع، وفي هذه الحالة يصبح من حق كل مذهب ان يطالب بخصوصيته ويتمسّك بها، وذلك يستدعي، شئنا أم ابينا، النظر جدّياً وبجرأة مطلوبة، بتغيير النظام القائم، او بتعديله في شكل يؤمن خصوصية ونمط عيش وتوجّه كل مذهب في لبنان، دونما خوف – كما هو الواقع اليوم – من قيام مذهب ما، باعتداء على مذهب آخر او مذاهب اخرى، اذا قيض لهذا المذهب ان يملك القوة والسلاح لوحده دون سائر المذاهب.