وسط توظيف سوري قوي متوقّع ورصد لأداء الحريري
ما سرّ الصمت الخارجي على خطوة جنبلاط؟
لم يحظ التغيير الذي أدخله النائب وليد جنبلاط على المشهد السياسي الداخلي بأي تعليق خارجي يتجاوز نطاق محاولة استيعاب الموقف الجنبلاطي، على الاقل وفق ما عبر عنه وزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط الذي كان له التعليق اليتيم على موقف الزعيم الدرزي، في حين لم يصدر اي تعليق من اي جانب غربي بنوع خاص، على رغم ان هذا التبدل أثار اهتماما واستياء على حد سواء.
وثمة من يعتقد أن غياب ردود الفعل قد يكون مرده الى عدم الرغبة في تقوية موقع النائب جنبلاط واخراجه من سياقه بما يسمح له برفع ثمن ارضائه، في حين ان معالجة الامر بهدوء بعيدا من التشنج قد تكون اكثر فاعلية، ان لم يكن الزعيم الدرزي قد اتخذ قراره بالانفصال عن حلفائه في قوى 14 آذار، إذ إن التدخل معه ربما يؤخّر تنفيذ الخطوات ولكن من دون ان يؤخّر بدء مفاعيلها منذ الآن.
وبدا الموقف الذي اعلنه جنبلاط من قصر بعبدا محفزا لالتباسات كثيرة، وخصوصاً في تأكيده عدم التخلي عن الرئيس المكلف سعد الحريري وفاء لوالده اولا ولصداقته معه ثانياً، في حين ان عدم مناقشة الامر معه مسبقا انطلاقا من هذه الاعتبارات بالذات، وهو حليفه الوثيق، يبدو موقع تساؤل واستغراب بالنسبة الى بعض المراقبين.
ويحظى موقع جنبلاط في المعادلة السياسية الداخلية بتقدير من وجهة نظر كل الزوار الديبلوماسيين، فضلا عن اعجاب من غالبية رؤساء البعثات الديبلوماسية في لبنان بشخصه وحركته السياسية عموما. وغالبا ما تحظى مواقفه بتفهم انطلاقا من الاعتبارات والمبررات التي يقدمها جنبلاط، وخصوصاً متى كانت تتعلق بالمحافظة على الوضع الداخلي والسلم الاهلي. لذلك كان ما أعلنه في مؤتمر الحزب التقدمي الاشتراكي مفاجئاً مع ان هناك مؤشرات كثيرة سبق ان اطلقها في هذا الاطار، ثم سادت حال انتظار لتوضيح جنبلاط لمواقفه وتبريرها، بغية معرفة الى اين تذهب الامور، ومن بعد ذلك تأتي المعالجة الداخلية اولاً، ثم المعالجة الخارجية من المملكة السعودية. ومن المستغرب ان يصدر اي تعليق خارجي على شأن داخلي بهذه الدقة، وإن يكن في موقع الاهتمام الشديد، ولا سيما ان الدوائر الديبلوماسية في الخارج تشهد عطلا سنوية، وتحديداً في شهر آب، الى درجة غياب اي حركة ديبلوماسية لافتة حتى في الداخل، استطلاعا لهذا الموضوع وحيثياته، وكادت الحركة أن تقتصر على اطلالة للسفيرة الاميركية ميشيل سيسون. وترددت معلومات عن احتمال لقائها وزير الاعلام والثقافة السعودي عبد العزيز خوجه خلال زيارته القصيرة والمفاجئة للبنان للاطلاع منه على ما حمله الى لقاءاته مع بعض المسؤولين اللبنانيين المعنيين بالازمة الطارئة.
والخطوة الاخيرة لجنبلاط لا تبدو مفهومة الى حد بعيد لجهة التوقيت بالنسبة الى المراقبين المعنيين اكثر منه لجهة مضمونها، باعتبار ان مفاعيلها او تداعياتها ستطول الشأن اللبناني في الميزان السياسي الدقيق، ويخشى ألا تقتصر عليه، اذ ان التوظيف الخارجي وتحديدا السوري لهذه الخطوة سيكون قويا كما كان التوظيف السوري لزيارة العماد ميشال عون لدمشق، ليس فقط في تعزيز اعادة نفوذها الى لبنان عبر الافرقاء، بل ايضا في تعزيز اوراقها وموقعها ازاء اي مطالبة من خارج تتعلق بلبنان لا تزال تحملها دول خارجية الى دمشق في كل زيارة ديبلوماسية تتلقاها. ويكفي رد الفعل الفوري من جانب احد زوار دمشق، ومن ابواب أحد المسؤولين فيها مباشرة، ليقدم ابلغ تعبير عن هذا التوظيف. كما ان الخطوة تؤثّر جداً في جملة امور منها موقع الرئيس المكلف تأليف الحكومة سعد الحريري وكل قوى 14 آذار، وحتى اضعاف الانتصار المهم في الانتخابات النيابية التي خاضها الجميع على اساس طائفي ومذهبي، علما ان هذا الانتصار كان موضع اهتمام كبير وارتياح نتيجة قلق كبير من انقلاب موازين القوى مجددا في لبنان.
لكن الوضع السياسي الطارئ يحتاج الى وقت اضافي لتلمس ابعاده وتبعاته، وخصوصا انه اطلق انذارا للانتقال من الاصطفاف السياسي الحاد للعودة الى الاصطفاف الطائفي الحاد، فضلا عن ارباكه الرئيس المكلف، ويحتاج الجميع، كما يقول هؤلاء المراقبون، الى معرفة كيف سيتأثر اداء الحريري نتيجة لذلك، وما ستكون خطواته المقبلة، علما ان هؤلاء يؤكدون ان لا شيء حتى الآن يستدعي في المعطيات الخارجية اختيار هذا التوقيت بالذات، لان لا مبرر لاي هلع او خوف على لبنان، وذلك انطلاقا من تأكيدات ان الوضع فيه لا يزال موضع رعاية خارجية وان اختلفت اولويات هذا الخارج، بما فيها الاولويات الاميركية، في حين ان المتغيرات الاقليمية ليست على وشك الحصول غدا. وهذا ينسحب على سوريا الحريصة بقوة على الانتقال بالحوار مع الادارة الاميركية الى مستوى جديد من الانفتاح، كما ينسحب على ايران التي لم يتخل الغرب عن خيار الحوار معها حتى الآن على رغم التأزم الذي تشهده على الصعيد الداخلي.