#dfp #adsense

حقائب مال نقداً وإغراءات غير مسبوقة لشراء العقارات: هجمة سماسرة على مرجعيون تثير الريبة

حجم الخط

حقائب مال نقداً وإغراءات غير مسبوقة لشراء العقارات: هجمة سماسرة على مرجعيون تثير الريبة

يتداول ابناء بلدة مرجعيون هذه الايام اخباراً عن حقائب المال الضخمة التي تعرض عليهم لإغرائهم ودفعهم الى بيع ما يملكون من بيوت ومنازل وعقارات وكروم ورثوها عن اهلهم، الذين ورثوها بدورهم عن اجدادهم الذين سكنوا تلك الانحاء وحولوها الى احدى اجمل مدن الجنوب واكثرها اناقة وهندسة قروية.

الحديث عن عروض البيع لم يعد سراً بل يجري تداوله على نطاق واسع، وكلما اجتمع اثنان من مرجعيون ومحيطها كان الكلام عن هجمة البيع والشراء ورزم المال الاخضر الذي يشتري التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا ويهدد صيغة العيش المشترك في الجنوب وتالياً في لبنان. والانكى في هذه المأساة، ان سماسرة البيع والشراء اصبحوا يجولون على احياء المدينة ومنازلها الجميلة الموزعة بين الحدائق واشجار الزيتون ويقرعون ابواب المنازل، سائلين اصحابها المقيمين فيها عما اذا كانت معروضة للبيع او اذا كان المنزل المجاور معروضاً للبيع، في سابقة تثير الريبة والشكوك.
اذ رغم عمليات الفرز الطائفي في مناطق لبنانية عدة سابقاً، الا ان ما تشهده مرجعيون ومحيطها يشكل سابقة في هذا المضمار. علماً ان جديدة مرجعيون ليست مسيحية صافية بل ان قسماً لا يستهان به من ابنائها هم من ابناء الطوائف الاسلامية وفيها مسجد قام بترميمه احد ابناء المدينة المسيحيين.

ويروي احد ابناء مرجعيون المقيمين فيها ان من عادة قسم من اهالي البلدة توزع السكن شتاءً في بيروت وصيدا والمدن الكبرى وصيفاً في البلدة، وانهم كانوا حرصاء دائماً على حفظ منازلهم في البلدة وما يحيط بها من حدائق وكروم يعملون على تأهيلها والعناية بها ويتباهون بجمال هندستها ومواقعها. ورغم الحروب وحقبة الاحتلال الاسرائيلي الطويلة جداً فقد صمد الاهالي وامتنعوا عن اي عمليات بيع تؤثر على وجه مدينتهم الديموغرافي، واقتصرت عمليات البيع والشراء على ابناء البلدة او ما جاورهم من القرى والبلدات وفي شكل طبيعي جداً وفي ذلك حماية لمبدأ العيش المشترك والوحدة الوطنية حيث لم يعرف عن اهالي تلك الانحاء غلبة مشاعر الطائفية والمذهبية بل الانتصار للعلمانية والوطنية والمبادئ القومية وحتى العروبية في خياراتها.

لكن الزمن الاول تحول، فمنذ اعوام اخذ الاهالي يعيشون في شكل شبه يومي تحت وطأة ضغط السماسرة واغراءاتهم. والانكى من كل ذلك ان السماسرة هم من ابناء مرجعيون وجوارها وغالبيتهم، على ما يروى، ممن باعوا اكثر ما يملكون من اراض وعقارات تخصهم، وينكبون حالياً على حض الاخرين على بيع ممتلكاتهم. واستناداً الى الشهادات المجمعة من مصادر عدة ومن اشخاص خضعوا لتجربة الاغراء بالبيع، فإن السماسرة هم من الاختصاصيين في اثارة هواجس المسيحيين وقلقهم من الحاضر والمستقبل، وتالياً اثارة مشاعر الخوف والفرز الطائفي طمعاً بالعمولة الوفيرة التي يجنونها على حساب وجود شعبهم وابناء بلدتهم.

ويروي اهالي مرجعيون ان عمليات الشراء تركزت اولاً عند اطراف المدينة البعيدة عن الاحياء السكنية، وتحديداً تلك المحاذية لبلدات دبين وبلاط والبويضة وعند اطراف سهل مرجعيون (الذي يسميه الاهالي المرج)، ثم اخذت تنتقل تدريجاً الى احياء البلدة الداخلية حتى كانت الذروة في عملية بيع عقار من اربع طبقات قرب كنيسة الموارنة في البلدة في عملية تجاوزت كل المحظورات. ومنذ تلك الصفقة انهارت كل المحرمات واصبح كل منزل وجلّ وحديقة في مرجعيون معروضاً للبيع بحيث ان السماسرة يدخلون الى المنازل ليسألوا اصحابها، بكل وقاحة، ما اذا كانت معروضة للبيع ام لا، مزينين لهم حسنات البيع وجني المال الوفير والانتقال الى بيروت او جبل لبنان.

واستناداً الى الشهادات ايضاً، فإن السماسرة يحسنون اختيار اهداف عملياتهم. فهم ينتقون العائلات المستورة التي تود ارسال اولادها الى الجامعات لمتابعة التحصيل العلمي، على قاعدة تأمين المال للاولاد، علماً ان متابعة التعليم تمثل تقليدياً مسألة بالغة الاهمية بالنسبة الى المرجعيونيين الذين يتسابقون على دخول الجامعات والفوز بالشهادات العليا.

واضافة الى الافادة من الضائقة الاقتصادية وتردي الاحوال المعيشية، فإن السماسرة ينتقون الهدف الاخر لعملياتهم من مغتربي البلدة، خصوصاً اولئك المقيمين في اوروبا واميركا الذين طالتهم الازمة الاقتصادية العالمية وادت ببعضهم الى خسارة جنى العمر وكل ما جمعوه، فعادوا الى دفاترهم العتيقة يفتشون فيها عما يقيهم شر الحاجة، فكان ان تقاطعت مصالحهم مع رغبات السماسرة وعادوا الى مسقط رأسهم لبيع ما اورثهم اياه الاباء والاجداد. وهكذا، بدلاً من ان يعود بعض المغتربين الى مرجعيون هذا الصيف حاملين الخير لاهلهم واقاربهم ومن صمد منهم في بلدته، اذا بهم يعودون صفر اليدين حاملين معهم الرغبة في بيع ما يملكون ليعودوا بكشة المال الى ديار الاغتراب ويقطعوا جذورهم مع الوطن.

الغريب في الامر، على ما يروي شهود الحال، ان من يشترون في مرجعيون ليسوا من القرى والبلدات المجاورة، بل هم من انحاء بعيدة نسبياً ولا يمتون الى منطقة مرجعيون بصلة. والادهى من ذلك هو حجم المبالغ الضخمة التي تدفع في سبيل شراء عقارات مرجعيون ومنازلها، فالعقار الذي يستحق 40 الفاً من الدولارات ينال صاحبه اضعافاً. وما يثير الشك والريبة في نفوس الصامدين والرافضين للبيع هو ان تلك المبالغ تدفع نقداً دون اي شك او حوالة او اي من التعاملات المالية المعروفة. ويشار في هذا الاطار الى ان بعض عمليات البيع يتم استناداً الى وكالات غير قابلة للعزل تتيح لصاحبها ما يشبه التملك وذلك تهرباً من الرسوم والضرائب المتوجبة في الدوائر العقارية.

الخطير في الامر ان تحوّل الوجه الديموغرافي لمرجعيون يعني تحولاً في وجه منطقة مرجعيون – حاصبيا برمتها نظراً الى ما تمثله المدينة من ثقل او واسطة عقد في تركيبة العيش المشترك في الجنوب، وهي التي فاخر اهلها قديماً بأنهم حافظوا على اللغة العربية وعلموا كل ابناء المنطقة، فإنهم قد لا يجدون لهم مستقبلاً في المنطقة في ظل الهجمة الكثيفة التي يتعرضون لها، فهل هناك من يهتم ويفعل على مثال الرئيس الراحل كميل شمعون الذي اصدر مذكرة اثناء الحرب من موقعه وزيراً للداخلية منع فيها كل عمليات البيع والشراء منعاً للفرز الطائفي والكانتونات، ام ان المطلوب تنفيذ ما عجزت عنه الحروب بالقوة؟

بيار عطالله

المصدر:
النهار

خبر عاجل