#dfp #adsense

قراءة في خطاب الرئيس سليمان في عيد الجيش …

حجم الخط

قراءة في خطاب الرئيس سليمان في عيد الجيش …

لم يأت ليدير أزمة ، وهو ليس من هذا الصنف من الرجال ، فخطابه في عيد الجيش قارب المحظورات وتخطى الحواجز ودخل القلوب ، فالتوافق على شخصه زاده صلابة ومناعة وعزماّ على الاصلاح، وفوق كل ذلك ، فهو مصمم على التغيير ، كشف أوراقه الناصعة قبل وبعد وصوله إلى سدة الرئاسة ، فاطمأن اللبنانيون لهذه الخامة المميزة ، وفتحت دول العالم أجمع مطاراتها لاستقباله ودعمه في مسيرته الصعبة والشاقة .

من يقرأ خطاب الرئيس سليمان في عيد الجيش في الاول من آب لا يحتاج للقراءة ما بين السطور، فهو لم يترك تفصيلاً صغيراً إلا وضمّنه كلمته ، فأتت شفافة ونظيفة كتاريخه الابيض والمشرف.
وهنا لا بد من قراءة موضوعية ومتأنية لهذا الخطاب الحدث تعطيه حقه بعدما تسارعت الاحداث الاسبوع الماضي ( موضوع تشكيل الحكومة – مواقف وليد جنبلاط الاخيرة ) وغطت بغبارها على كل الاحداث السياسية الاخرى .

رفاق السلاح

من رفاقه في السلاح بدأ ، ومن دماء شهداء الجيش انطلق ليقول للعالم ان هذه المؤسسة العسكرية بقيادتها الحكيمة والواعية هي الملتزمة بالحفاظ على الوطن ، فساحات المجد والشهادة لطالما ضاقت بابطال الجيش الذين سقطوا في مواجهة العدو الاسرائيلي الغاصب وفي مواجهة الارهاب والتطرف وشبكات التجسس ، فيما الشعب اللبناني كله إلى جانبهم ومعهم ، بعدما كتبوا حكايات النصر على صفحات التاريخ اللبناني .

التوافق و الوحدة

الرئيس سليمان الذي حمل التوافق عنواناً عريضاً قولاً وفعلاً ، كان همّه اجراء انتخابات نيابية نزيهة تعكس التمثيل الصحيح ومن ثم تشكيل حكومة وحدة وطنية ، لا تحكمها ارقام ولا اديان ولا طوائف ، وبعيدة عن المحاصصة الطائفية ، فثقة الشعب بالمسؤولين تقابلها مطالب ببناء وطن ديمقراطي يصون الحريات العامة، وينبذ التعصب والطائفية ، ويحترم حقوق ابنائه وحرياتهم لأي دين أو حزب أو طائفة انتموا ، والوحدة الوطنية تتطلب تقديم التضحيات والتنازلات و التخلي عن الانانيات والمصالح الخاصة للجماعات والافراد، لأن المصالح العامة هي لخير الجميع .
فهل نفرّط بثقة اللبنانيين الذين منحونا اياها لبناء مجتمع ومؤسسات ووطن ؟
هل نفرّط بوحدتنا الوطنية ونكون أسرى أرقام وتواريخ طبعت حياتنا السياسية بالطائفية والمذهبية ؟

الاشكالات الدستورية والطائف

منذ اتفاق الطائف ، حمل هذا الاتفاق في طيّاته ثغرات عديدة ، فمنها ما نفّذ بعوراته ، ومنها ما لم ينفذ ، لأنه في كل مرة كانت تعلو أصوات معترضة على بعض البنود ، أبرزها إلغاء الطائفية السياسية وغيرها، فرئيس الجمهورية العماد سليمان في خطابه لمناسبة عيد الجيش جاء ليضع الاصبع على الجرح ، حيث قال بجرأة قل نظيرها : إذا كانت العلة فينا كمسؤولين فلنرحل ونعطي مكاناً لغيرنا ، أما اذا كانت العلة في الدستور فلنعمل على معالجة الاشكالات الدستورية و تصحيح ما يعتريه من شوائب ولكن ضمن روحية الطائف بما يكفل تحقيق التوازن بين السلطات والتساوي بين اللبنانيين لأن الدستور ليس منزلاً وهو في خدمة الناس وليس العكس .

وفي هذا المجال ، فإن الرئيس سليمان قد اعطى بعداً جديداً لهذه المطالبة ، ففي عهد الرئيس الياس الهراوي تم طرح إلغاء الطائفية السياسية والزواج المدني ، لكن القيامة قامت ولم تقعد ، و ما لبث ان طوي هذان البندان في الادراج ، وبعد خروج الرئيس الهراوي من السلطة تحدث بجرأة عن تجربته في الحكم مطالباً باعادة النظر في موضوع صلاحيات رئيس الجمهورية ، وفي عهد الرئيس اميل لحود تكرر المطلب وتكررت النتيجة وظهرت ثغرات كبيرة في صلاحيات الرئيس ايضاً ، الاّ ان الرئيس سليمان الواثق مما يقول وما يفعل باشر في اثارة موضوع "الاشكالات الدستورية " انطلاقاً من الحكم المبرم الصادرعن المجلس العدلي اعلى سلطة قضائية، والذي يمكن ان يحمل خطأ ما ، وقد ظهر ذلك الخطأ في قضية المتهم باغتيال الدبلوماسي الاردني الفلسطيني يوسف شعبان التي ظهرت براءته وبقي مسجوناً ثماني سنوات إضافية بعد ظهور براءته ولولا الموقف الجريء و الشجاع للرئيس سليمان لبقي شعبان عشرين سنة إضافية في السجن .
الرئيس سليمان وضع نصب عينيه كل الثغرات الدستورية الواردة في دستور الطائف التي تعوق قواعد اللعبة الديمقراطية وحسن سير عمل المؤسسات .

الرئيس سليمان الذي طالب بعدم الخشية والخوف من مقاربة موضوع صلاحيات رئيس الجمهورية ودوره والمسؤوليات الملقاة على عاتقه كرمز وحكم ، يعرف تماماً ان وطنيته تحتم عليه ذلك ، وهو لا يقارب هذه المسألة لأنه موجود اليوم على رأس السلطة في البلاد فالحكم بنظره استمرارية ، وانما مقاربة هذا الموضوع الحساس تأتي في اطار رفضه لحصول اشكالات دستورية تعوق عمل المؤسسات " كل ما دق الكوز بالجرة " وتعطيل البلاد لأشهر .

من المفترض المباشرة فوراً بوضع قانون انتخابي جديد وعصري وحديث ( قانون فؤاد بطرس ) يزيل شوائب الماضي ويعكس التمثيل الحقيقي للناس ، لأن الشعب تواق للمس خطوات جدية وهادفة لتحديث المؤسسات وتعزيز الديمقراطية والمواطنية الحقيقية وقيام المجتمع المدني وتحقيق اللامركزية الادارية لتحقيق الانماء المتوازن والمستدام .

" الرئيس الأمل "

وصل الرئيس سليمان إلى سدة الرئاسة بالتوافق بين اللبنانيين وبتوافق اقليمي ودولي لأعادة التوازن السياسي في لبنان ووقف التوتر السياسي الذي كان قائماً في حينها ، لم يمالىء احداً ، قوته تنبع من صدقيته ، فهو القائد الذي دافع عن الوطن ، ومنع الاقتتال الداخلي وأمّن الاستقرار والهدوء يوم الاعتصامات والتظاهرات، و ضرب الارهاب في نهر البارد، وهو المقاوم الذي تصدى وهو على رأس المؤسسة العسكرية لإسرائيل إلى جانب المقاومة ، وبعد انتخابه رئيساً اصبح الحاكم والحكم و الدبلوماسي الاول الذي حاز على ثقة المجتمع الدولي فمحضه كل انواع الدعم منها العسكري للجيش ، والسياسي للحكم ، خصوصاً انه رجلاً غلبت عليه انسانيته وتواضعه على المصالح الذاتية والخاصة.
علّ الشعب اللبناني بكل أطيافه يقف إلى جانب رئيس الجمهورية لبناء الدولة المدنية الحديثة الرائدة التي طالما حلموا بها … ولنعطي فرصة لهذا " الرئيس الامل " حتى لا نندم عندما لا يعود ينفع الندم .

المصدر:
صدى البلد

خبر عاجل