موقف جنبلاط إقرار بواقع "الفيتو" الشيعي المكرّس في الدوحة
نهاية آلية القرارات وفق الطائف عبر "التوافقية"
انضم النائب وليد جنبلاط عبر كلمته في مؤتمر الحزب التقدمي الاشتراكي يوم الاحد الماضي والتي اثارت ما اثارته من تداعيات بفعل انفصاله عن قوى 14 آذار، الى قافلة السياسيين الذين يعتبرون ان لبنان دخل ما يسمّى "الديموقراطية التوافقية"، التي تذكرنا – حسب قوله – باجتماع القبائل والعشائر على طريقة "اللويا جيرغا" الافغانية. "واللويا جيرغا" تعبير يختصر مجلس زعماء القبائل او اعيان العشائر ، وهو هيئة تقليدية تعود اصولها في افغانستان الى القرن الثامن عشر، وقد اكد جنبلاط واقع " اننا منها ونتوافق على صيغة جديدة في تشكيل الوزارة تحت عناوين كالتوفيق والوسطية ". ينطوي هذا القول الذي ترجمه جنبلاط في حديثه عن اولوية حماية الدروز وتسميته الحصة الدرزية في الحكومة وتوحيد الدروز مجددا بحيث ينتفي حاليا واقع وجود انقسام درزي داخلي ، على اقرار بواقع التبدل الذي طرأ على صيغة النظام السياسي اللبناني من خلال الانقلاب الذي اعطى الطائفة الشيعية حق الفيتو عبر التوافق على ألاّ تحال اي قضية على مجلس الوزراء من دون اجماع عليها، في ما يشكل نقضا عمليا لما اورده اتفاق الطائف، وان اقتصر التفاهم الشفوي عليه، الامر الذي يطرح جملة تساؤلات باتت تستحق دراسة فعلية غير عابرة :
– التساؤل الاول يتصل بواقع ان اقرار الجميع بالتغيير الحاصل في النظام السياسي وتحويله عرفا يطرح مصير النظام السياسي الذي نص عليه اتفاق الطائف ويقول البعض باستمرار التمسك به وفي مقدمهم رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي شدد على ذلك الاتفاق في معرض دعوته الى اجراء تعديلات دستورية في خطابه الاخير في عيد الجيش، كما يصر عليه النائب جنبلاط في ادبياته السياسية على قاعدة انه نتيجة تفاهم سوري – سعودي، علما ان التغيير في المشهد السياسي ادخله عليه اتفاق الدوحة. ولم يعد القرار في المسائل المهمة يتخذ في مجلس الوزراء، بل في ما يشبه "الترويكا" السابقة التي ارستها الوصاية السورية بين رئيس الجمهورية ورئيسي مجلس النواب والحكومة على قاعدة دخول قوي لـ " حزب الله" والآن لجنبلاط على هذا المشهد المستجد . ففي اتفاق الطائف آلية لاتخاذ القرارات الاساسية وغير الاساسية والفصل بين السلطات ، وهذا امر لم يعد موجودا في ظل استنساخ مجلس النواب في مجلس الوزراء. كذلك هناك جملة من القواعد التي ترعى النظام السياسي لم يعد يتم العمل بها واخرى لم يعمل بها اصلا.
– التساؤل الآخر يتصل بمكان وجود القرار ودور رئيس الحكومة الذي يتحمل من حيث المبدأ امام الدستور ومجلس النواب والرأي العام، مسؤولية أي قرار، في حين ان "اللويا جيرغا" تعني ادارة قبائل او عشائر ولم تعد تعني فريق عمل او اكثرية فازت ببرنامج حكم وتحمل برنامجها الى الحكومة على ان تتم محاسبتها في مجلس النواب لاحقا او حتى في المعارضة خارجه . وتاليا فان الفوز والخسارة يتساويان، ولا قيمة لاي انتخابات نيابية، بل ينبغي تحويلها انتخابات داخلية من ضمن الطوائف ليس الا .
– ثمة من يثير السؤال عن موقع المسيحيين ورأيهم في هذه التعديلات على النظام السياسي، علما ان الوضع المسيحي هو اكثر ما يدعو، بالنسبة الى جميع المهتمين، الى الاسف والحزن، اذ ان هناك خبثا مبطنا يعتقد كثر ان الافرقاء المسيحيين يمارسونه على قاعدة انه تبقى للمسيحيين كلمتهم شأن الكلمة التي للطوائف الاخرى في مجلس الطوائف تعطيلا او ممانعة او اعتراضا، من دون ايلاء اي اهمية لاندثار لبنان في صيغته الديموقراطية التي تم التوافق عليها في الميثاق الوطني . ومعلوم ان المسيحيين لا يملكون كلمة موحدة بل هم منقسمون ولا يمكنهم ترجيح اي خيار مستقبلي للبنان، وانقسامهم يجعلهم عديمي التأثير كليا على غير ما تشكله الطوائف الاخرى. وحسم التوصل الى هذه الصيغة الواقعية في مجلس القبائل يفترض تجاذبات وصراعات في ما بينهم على ترجيح كل منهم موقعه . فهناك ارتياح الى المواقف الجديدة للنائب جنبلاط التي عززت، وفق ما يرى البعض، موقف زعيم "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون وادبياته الجديدة منذ توقيعه التفاهم مع " حزب الله"، وساهمت او ستساهم في تأكيد عون دفتر شروطه للمشاركة في الحكومة على قاعدة يخشى معها ان تثير المزيد من الحساسيات بين الزعماء المسيحيين على رغم الكلام على مصالحات وما شابه في ما بينهم، هي اقرب الى اعداد الحسابات للمرحلة المقبلة والاستئثار بالزعامة المسيحية منها بمراعاة الوضع المسيحي وهشاشته المتزايدة في لبنان.
– مع عودة الكلام على زيارات مرتقبة لزعماء لبنانيين لدمشق ستندرج في اطار استعادة العلاقات الوثيقة معها وما شابه ، ثمة استعادة لماض عبر موفدين وزوار على خط العاصمة السورية يبدو كأنه يضرب عرض الحائط بكل الجهود الداخلية والخارجية التي بذلت من اجل اقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين، كما يضرب من جهة اخرى كل المجهود الذي بذله رئيس الجمهورية لتأكيد مرجعية الدولة اللبنانية لدى موقع الرئاسة الاولى، وان اضطر الامر الى احترام هذين الموضوعين من حيث الشكليات فقط ليس الا . انها مجموعة اسئلة باتت تعيد الهواجس الى لبنانيين كثر يطمحون الى أجوبة عنها ويخشون الندم سريعا على مساهمتهم في الادلاء باصواتهم في الانتخابات النيابية الاخيرة .