مطلوب التروّي
خطوة انتقال النائب وليد جنبلاط من 14 آذار الى "منزلة بين منزلتين"، احدثت خضة كبيرة في الوسط السياسي اللبنانين وسيمر وقت ليس بقليل قبل ان تتمكن الساحة السياسية من استيعاب ما حصل والبناء على معطى جديد ارساه جنبلاط بقوة تحوّله من قيادة الفئة السياسية الاوسع في لبنان، الى الوسط المائل نحو خصوم الامس.
اعطيت تفسيرات كثيرة لما قام به جنبلاط. بداية، تحدث هو يوم الاحد ليعود الى ادبيات الحزب التقدمي الاشتراكي القديمة التي يفتخر بها، لكنه يعرف انها تصلح لكتابة التاريخ، لا لرسم خط بياني للمستقبل. ثم اتت تفسيرات عدة ركزت على معطى الخوف الكبير الذي يبديه جنبلاط جراء تعاظم تهديد "حزب الله" في كل اتجاه داخلي، ورغبته في عدم التورط في صراع لا ينتهي مع الحزب المقيم عند ضفتي التوظيف العسكري الامني الاقليميتين والتوسّع الطائفي والديموغرافي المحليين، ثم قيل ان المحكمة الدولية الناظرة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وبقية الجرائم يمكن ان تذهب الى حد اعلان تورط "حزب الله" في الجريمة مع النظام السوري، مما يفتح الباب واسعاً امام اشتعال فتنة سنية – شيعية مفتوحة الافق، وجنبلاط لا يريد ان يكون طرفاً فيها. من هنا مهّد قبل الانتخابات لهذا الامر بمهاجمته تقرير المجلة الالمانية "در شبيغل" الذي تحدث عن تورط "حزب الله" في الجريمة، ودعا الرئيس سعد الحريري الى طلب الحقيقة والتنازل عن العدالة اذا دعت مصلحة البلاد العليا. ومن التفسيرات التي اعطيت في الجانب السياسي الاقليمي ان جنبلاط راقب التحولات الدولية والعربية في الموقف من النظام السوري، فضلاً عن الحراك الكبير الذي يشهده المسار التفاوضي السوري – الاسرائيلي عبر الوسيط التركي. فالهجمة "الاغرائية" الاميركية والاوروبية والعربية التي تتعرض لها سوريا في هذه المرحلة كانت الاشارة الى ان مرحلة محاصرة نظام الرئيس بشار الاسد قد ولّت، وان ثمة تقاطعاً عربياً ودولياً في الموقف من استعادة سوريا بسرعة ايذاناً بقرب حلول استحقاقات ربما كانت دراماتيكية.
كثيرة هي التأويلات والتفسيرات، ومربكة، وزادها النائب جنبلاط ارباكاً باضافة شعارات جديدة عن العروبة وفلسطين الى سوريا وغيرها. والحق انه وحده صاحب المناورة يمتلك الصورة الكاملة لما قام به، ولما سيقوم به في المرحلة المقبلة، في الوقت الذي يتفق قادة كبار في قوى 14 آذار على ان حركة جنبلاط لم تنته فصولها بعد.
ماذا عن الرئيس الحريري؟
ما من شك في ان المعادلة التي قامت اثر انتصار الغالبية الاستقلالية في الانتخابات النيابية الاخيرة تبدّلت في شكل دراماتيكي. وقد جرى اضعاف موقع الرئيس الحريري في لعبة التأليف حتى لو لم يكن في شكل مقصود. والحال ان لعبة الارقام تغيّرت هي الاخرى، كما ان التموضع السياسي والتمثيلي تبدّل. فالقاعدة التي تم التوافق عليها من حيث توزيع الحصص بين اكثرية واقلية ورئاسة الجمهورية لم تعد قائمة. والتزام النائب جنبلاط ان يقف في التصويت بجانب الرئيس الحريري وضمن الغالبية لا يعتبره الحريري كافياً ولا مطمئناً بما يكفيه ليعود الى عملية التأليف وكأن شيئاً لم يحصل.
في مطلق الاحوال، لا بد من التروي لتلمس الصورة كاملة. ثم لا بد من لقاء بين الرئيس الحريري والنائب جنبلاط لان استمرار القطيعة المباشرة بين الرجلين ستنشأ عنه مضاعفات لا يجوز للطرفين ان يستسلما لها، او ان يقعا فريسة لها. ولا بد من قيام علاقة بين الرجلين وفق قواعد جديدة املتها الخطوة الاخيرة لرئيس "اللقاء الديموقراطي".