"14 آذار" مصالحة تاريخية وليست شعارات
يخطئ بعضهم عندما يعتبر أنّ ما تمّ تحقيقه في ثورة الأرز اثر اغتيال الرئيس الحريري وردا على احتفال الشكر لسوريا في 8 آذار 2005 هو مجرد شعارات جرى تحقيق بعضها وبقي بعض آخر، أو هي مجرد شعارات كانت صالحة لمرحلة قضت وبالتالي ينبغي البحث عن شعارات جديدة تتلاءم مع متغيرات حصلت أو هي منتظرة في المدى الجغرافي المحيط وفي المدى الزمني القريب. ٳنّ ما تحقق في 14 آذار 2005 أبعد وأكبر من ذلك بكثير، وهو يتعدّى الشعارات ليصل الى محاكاة عمق القضية اللبنانية التي كانت تباعد بين مختلف الأفرقاء اللبنانيين وصولا الى المصالحة الوطنية الحقيقية.
ففي سبيل وضع المسألة في اطارها التاريخي الحقيقي لا بد من الرجوع، وفي لمحة سريعة، الى عمق الأزمة الناشئة في تاريخ لبنان الحديث منذ ما قبل اندلاع الحرب الأليمة في نيسان 75 .
فمنذ نشوء لبنان الكبير عام 1920 كان اللبنانيون في معظم المراحل وعند كل استحقاق منقسمين بين مسلم يتطلّع الى المدى العربي والإسلامي الأوسع ويلتزم كل قضايا الأمة العربية ولو أتى ذلك على حساب قيام الدولة اللبناية، ومسيحي يسعى الى ترسيخ فكرة بناء دولة حقيقية تكون ضامنة لكل ابنائها بتنوّع طوائفهم وملتزمة بالقضايا العربية، ولو كانت تطلعات هذا الفريق تتعاطف تاريخياً مع الثقافة والحضارة الغربية. الى أن كانت القضية الأم اعتباراً من العام 1948 الى يومنا هذا وهي القضية الفلسطينية التي اصابت الأنظمة والشعوب العربية ولا سيما الإسلام اللبناني والعربي بالإحباط لتصبح هذه القضية، مع الوقت، المحرّك الرئيسي لكل الحركات التحررية في المنطقة عدا كونها العامل الأساسي لعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
واثر نكسة الـ67 وسقوط مشاريع القوميات العربية بنتيجتها، ازداد التعاطف الجماهيري العربي مع القضية الفلسطينية الى أن أدت هشاشة التركيبة اللبنانية الداخلية الى السماح بتوقيع اتفاق القاهرة عام 1969 والذي جاء على حساب السيادة اللبنانية، وبدأ بذلك العدّ العكسي لانهيار الدولة اللبنانية في نيسان 1975.
رغم ذلك، لم يؤدّ استقواء الزعامات الاسلامية اللبنانية بالقوات المسلحة الفلسطينية الى تحقيق مكاسب سياسية داخلية، ولا الى وقوع طلاق نهائي مع الفريق اللبناني الآخر، ولا قساوة الأحداث التي جرت على مدى خمسة عشر عاماً أدت الى حدوث هذا الطلاق.
وبعدها جاء عهد الوصاية وسيطر نظام أمني على البلاد والعباد وأمعن في التفرقة سنوات عدة الى أن جاء اغتيال الرئيس رفيق الحريري ليشكّل الصدمة والشرارة في آن معاً لعودة مسيرة الوحدة والتلاقي في صرخة أطلقها أكثر من مليون ونصف مليون لبناني نزلوا الى ساحة الشهداء في مصالحة تاريخية عفوية وحّدت اللبنانيين حول مبادئ وثوابت، وليس حول شعارات.
نعم، في 14 آذار 2005 تصالح اللبناني مع أخيه ولاقى المسلمون المسيحيين بالمناداة بـ"لبنان اولا" وانتفض الشعب اللبناني تحت شعار ثورة الارز. و"لبنان اولا" لا يعني في أي حال من الأحوال الابتعاد عن القضايا العربية، انما يعني بكل بساطة أن يكون ولاء اللبنانيين للبنان قبل أي شيء آخر، وهذا أقلّ الإيمان، وليس أبداً بشعار.
نحن نعرف انّ لا شيء ثابت في السياسة وأنّ الاصطفافات السياسية تتغير بفعل تبدّل الأحداث انما هذا شيء آخر. فحرام التنكر وجرح شعور مليون ونصف لبناني نزلوا الى ساحة الشهداء ليقولوا نريد دولة" واحدة" مستقلة" قوية". حرام التنكر لتضحيات الشهداء الذين سقطوا من أجل استقلال لبنان. هذا ما نقوله للمصطادين بالماء العكر خصوصا" من أصحاب الأقلام التي لا تراعي حدا" أدنى من شعور أكثرية اللبنانيين الذين انتموا الى ثورة الأرز وآمنوا بثوابتها واكّدوا عليها في الانتخابات النيابية الاخيرة.