عن "عموم" 14 آذار
استنزفت الصدمة الجنبلاطية في اسبوعها الاول موجة قياسية من الانفعالات المتضاربة فاقت بآثارها حتى الانعكاسات السياسية المرتقبة على مجمل الوضع الداخلي ومن ضمنه "مشروع" تشكيل الحكومة الذي ضربته الصدمة بعنف وأودت به الى ضفة اخرى ستبدأ معالم تكونها مع انكشاف موقف رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري من هذا الزلزال الجدي.
وتبعا لذلك تبدو النتائج الاشد اذهالا لهذه الصدمة متصلة بالمشاعر والانفعالات المتقدة قبل ان تصل الى قمة الانعكاسات السياسية في تكريس الانفصال الجنبلاطي عن قوى 14 آذار وما يستتبعه من نشوء كتلة "مستقلة" داخليا من جهة ودفع نحو انقلاب آخر دراماتيكي في العلاقة مع سوريا من جهة اخرى.
قبل معرفة اي حكومة ستنشأ بعد تحول الثاني من آب وقبل اكتمال فصول السيناريو السوري – السعودي الذي سيرعى على الارجح زيارة رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط لدمشق مع "حاضنة" اوسع تطمح الى "ادخال" الجميع في ترتيب ما جرت وتجري مراسمه على نار موازية لاحتواء الصدع الكبير، تتفاعل بقوة الآن انعكاسات شديدة من النوع الذي لا يأبه للحسابات المعقدة التي تنقسم بين تبرير الضربة الجنبلاطية او توظيفها وتلقفها او مناهضتها ورفضها.
لا يمكن تجاوز الوقع الصاعق على قواعد "العموم" والناخبين و"المؤمنين" والملتزمين وحتى المحايدين لدى رؤيتهم تحولاً كهذا يهبط بقوة كأمر واقع غير محسوب بعد اقل من شهرين فقط من انتخابات اقامت الدنيا ولم تقعدها بعد، سواء في حملاتها الانتخابية او في نتائجها، وفي اللحظة التي وصل فيها مشروع التسوية الحكومية الى مشارف الحسم.
هذا التحول بمعايير السياسة ربما كان حصل مثله بمعايير الانتخابات لو اعتمدت النسبية في القانون الانتخابي، بمعنى ان فرط معادلة المعسكرين يستتبع انتخابيا نشأة كتل صغيرة تدخل نادي الحكومات وتفرض ائتلافات فضفاضة وتنتفي معها اكثريات موصوفة واقليات موصوفة ايضا.
اما بمعايير انتخابات 7 حزيران الماضي التي اطلق اتفاق الدوحة السياق اليها بكل ظروف الصراع المحتدم بين 14 آذار و8 آذار، فلن تكون كل المبررات الموضوعية او المصطنعة، المرئية والخفية، الصادقة والزائفة، كافية لإقناع القواعد التي صنعت الفوز الانتخابي لقوى 14 آذار على الاقل بأن حقوقها في التفويض التمثيلي لم تنتهك على حين غرة وبسرعة قياسية. والامر لا يتصل هنا بزعامة طائفة معينة، ولو سلم لها الجميع بخصوصيتها. فليس في النظام الطائفي اللبناني سوى خصوصيات عملاقة تاريخية جعلت الطوائف فوق الدولة. المسألة تتعلق بشعور عام لقواعد متعددة الطائفة استجابت سحابة اربع سنوات، وفي اعتى الظروف قساوة، لمبدأ التفويض الشعبي إنْ تعبيرا وإنْ انتخابا وإنْ استفتاء بمظاهر مختلفة، لخط سياسي محدد. مثل هذا التحول سيجد نفسه لا محالة في مواجهة احتدام غير مسبوق يذكر بتحولات مشابهة في ساحات طوائفية متعاقبة ولن يمر مرور الكرام مهما استهان موظفو الحدث المهللون لانعكاسه على 14 آذار كأنهم في جزيرة نائية بعيدة عن تموجاته.
النقطة الثانية الاشد إذهالا ووقعا من سابقتها الاولى، تتصل باستعجال خاطئ في معايير السياسة والناس سواء بسواء، "لنعي" 14 آذار. واقع الحال ان قوى 14 آذار كائتلاف سياسي تحتاج اكثر من اي وقت مضى لنقد ذاتي عميق دفعت مرارا ثمن قصورها عنه. وثمة جانب لا يستهان به في مسؤولية الانفصال الجنبلاطي تتحمله هذه القوى مجتمعة، ولم يعد يمكنها ان تنكره وتطمر رأسها في الرمال.
وعلى الاقل من اتفاق الدوحة تحديدا بدأت تظهر بوادر العوارض التي تناسلت حتى 2 آب الجاري. لكن ذلك لا يشكل في المقابل تسويغا لجلد ذات مبالغ فيه يتجاوز الاطار الموضوعي للثغر التي تشوب هذا التحالف بما يجعله قميص عثمان الذي يختبئ وراءه محظور ضخم مخيف هو الذهاب الى صفحة متغيرات داخلية او مع سوريا من دون الثبات على ضمانات قاطعة مؤكدة لمصلحة مشروع الدولة الذي هو في صلب تضحيات سارت على دربها قوافل من آمنوا بهذا المشروع وكلفت ما كلفت من شهداء. لا تملك حتى قوى 14 آذار الحق في التصرف بهذا التفويض. ثم من قال ان 14 آذار هي قوى سياسية فقط، معرضة لانفصالات وانضمامات كيفية وظرفية؟ فقبل 14 آذار ثمة ثلاثة عقود من 14 آذارات متعاقبة وثابتة، ولولا ذلك لما كانت 14 آذار هذه تحديدا وجهة استهداف لا تعرف الملل بتعاقب العصور والتبدلات الخارجية والمحلية.