#adsense

استعجال بعد التعطيل ؟!

حجم الخط

استعجال بعد التعطيل ؟!

قبل ان يعود الرئيس سعد الحريري الى بيروت، استأنفت قوى في المعارضة تنفيذ خطة "الانقلاب المتدرج" الذي تنخرط فيه بهدف إلغاء نتائج الانتخابات النيابية ومفاعيلها، وتمزيق ما تبقى من روح الدستور ونصوصه الواضحة لجهة تحديد صلاحيات رئيس الحكومة في لبنان.
لقد بدا هذا الامر واضحا من خلال أمرين:

❒ أولا: استعجال الحريري تشكيل الحكومة تحت "طائلة" القول": إما اعلان التشكيلة في خلال أيام قليلة وإما اعلان الاعتذار او بدء ممارسة الضغط لكي يجد رئيس الجمهورية ميشال سليمان مخرجا!

❒ ثانيا: محاولة القول ان اعتماد التوافق في اتخاذ القرارات داخل مجلس الوزراء يُسقط كل أهمية تتصل بشكل الحكومة وتموضع القوى السياسية فيها، في اشارة الى ان "انقلاب" النائب وليد جنبلاط على نفسه ومواقفه ومواقعه السابقة النافرة داخل تجمع 14 آذار، يُفترض ألا يعني شيئا في النسيج السياسي للحكومة، مما يشكل استخفافا بمفاعيل تموضع جنبلاط الجديد وبالدستور عينه.

كيف؟
في ما يتعلق بـ"الاستعجال"، ليس في الدستور أصلا ما يحدد وقتا او روزنامة او موعدا لرئيس الحكومة المكلف لكي يشكل الحكومة. وفي تاريخ تشكيل الحكومات عندنا ما يؤكد هذا الامر.

هذا من حيث المبدأ ونص الدستور، أما من حيث التفصيل والواقع، فليس من حق قوى المعارضة ان تتحدث او تشير، ولو مجرد اشارة، الى موضوع الاستعجال، وخصوصا بعدما استهلكت مدة شهر كامل من جهود الرئيس المكلف ومساعي الرئيس ميشال سليمان وتفاعل الكيمياء السياسية على خط سوريا – السعودية، لكي يتم الالتفاف على عقدة "الثلث المعطل" التي يشك كثيرون الآن بأنه وسط النيات المبيتة يمكن الالتفاف عليها!
ومن الضروري ان نتذكر كل ما قيل قبل الانتخابات من أن الذي يربح يحكم. ثم الانقلاب على هذا الكلام والتمسك بـ"الثلث المعطل" تحت عناوين برّاقة، مثل الحديث عن "المشاركة الحقيقية في القرار" وحكومة الوحدة الوطنية!

ولأن سعد الحريري يدرك تماما أهمية تجاوز الماضي الانقسامي الذي عطّل الحكومة والدولة وشلّ البلاد، فقد تجاوز سريعا مسألة حق الاكثرية في الحكم والاقلية في المعارضة ودعا منذ اليوم الاول بعد الانتخابات، وقبل تكليفه التشكيل، الى حكومة لمّ الشمل والقدرة على العمل، ولكن لمّ الشمل شيء والثلث المعطل شيء آخر، على الاقل لأنه يشلّ القدرة على العمل!

❒ ❒ ❒

الآن تبدو صيغة حكومة الـ15 + 10 + 5 صامدة وقابلة كقاعدة للمضي في السعي الى تجاوز العراقيل المتصلة بثلاثة أمور:
❒ وتيرة الأداء السياسي لوزراء كتلة النائب جنبلاط الذي ليس واضحا اذا كان سيستقر في الوسط والى متى وهو بطبيعته ضد الوسط، أم انه سيدخل مربع 8 آذار وهو الذي عاد يعزف على أوتار الرومانسيات العروبية بعدما كان قد هجا العروبة كما لم يفعل أحد!

❒ توزيع الحقائب على القوى السياسية.
❒ اختيار الاسماء التي ستتولى هذه الحقائب.

وفي مسألة التوزيع والاسماء تبرز مجموعة من الشروط التعجيزية التي يرفعها الجنرال ميشال عون، سواء لجهة عدد الحقائب التي يريدها ويفترض ان يتفاهم مع حلفائه عليها، أو لجهة الاسماء التي يريد توزيرها ناقضا كل ما قاله في السابق عن رفضه توزير الراسبين في الانتخابات. وفي هذه المسألة تبرز ايضا شروط بعض 14 آذار ومطالبتها بحقائب يتمسك بها جنبلاط، مثل مطالبة "القوات اللبنانية" بوزارة الاشغال.

واذا كان الرئيس المكلف قد باشر فور عودته، اتصالاته الحثيثة والمكثفة وسط جو من الكتمان لقطع الطريق على بالونات التشويش والتخريب، فان من المرفوض سياسيا ووطنيا ودستوريا وأدبيا محاولات قوى المعارضة محاصرته بضغوط الاستعجال، وهو الذي صرف شهرا كاملا مع الرئيس سليمان لحل عقد الثلث المعطل.

والدستور واضح وصريح، لا يحدّ وقتا او موعدا للتشكيل، ثم ان الحريري حريص أصلا على انجاز التشكيلة في أقرب وقت، ولكن ليس من حق المعارضة او غيرها تجاوز الدستور لمحاصرته بالاستعجال. فالمسألة وسط الشروط العرقوبية ليست مسألة بيض مسلوق ولا استخراج أرانب من القبعات، ثم انها تعاملت معه لمدة شهر على طريقة "يا مستعجل وقّف لقلّك"!!

أما في ما يتعلق بطرح مسألة التوافق السياسي في اتخاذ القرارات، فان ذلك يجب ألا يخرج بأي حال عن منطق الدستور، الذي أناط السلطة الاجرائية بمجلس الوزراء مجتمعا وأعطى رئيس الوزراء حق وضع جدول الاعمال وإطلاع رئيس الجمهورية عليه.

❒ ❒ ❒

لماذا هذا الكلام؟
لأن هناك في المعارضة من يطرح موضوع التوافق كأنه عملية اختزال للسلطة التنفيذية والغاء لمفاعيل السلطة التشريعية، بمعنى أنه يكفي ان يتفاهم "حزب الله" و"تيار المستقبل" مثلا على قرار ما لكي يصبح نافذا وبمعزل عن رأي مجلس الوزراء مجتمعا!
ان كلاما من هذا النوع يعني اسقاطا نهائيا لمفاعيل الانتخابات، ويعني ايضا تحويل مجلس الوزراء مجرد سلطة قبلية أفغانية على طريقة مجلس "اللوياجيرغا" الذي توجهه عادة القبائل الكبرى.

واذا كان انتقال النائب وليد جنبلاط من ضفة الى اخرى لا يعني شيئا في التوازن السياسي المحكوم بــ"الاتفاق على اعتماد التوافق في اتخاذ القرارات" كما يقول المعارضون، فما الحاجة بعد كل هذا الى حكومة الوحدة الوطنية وحتى الى مجلس النواب؟!

ثم اذا كان هناك من يريد ان يسحب مسألة التوافق على حق رئيس الحكومة في وضع جدول أعمال مجلس الوزراء، فان ذلك يعني تمزيقا نهائيا للدستور الذي يبقى في روحه ونصوصه متقدما على كل هذه الاجتهادات التعطيلية عندما يحدد 14 بندا ميثاقيا تحتاج الى أكثرية الثلثين، بما لا يفرض التوافق بالضرورة على الشاردة والواردة وعلى الابيض والاسود. وهو ما شلّ ويشل الحكومة ويعطل البلاد!

المصدر:
النهار

خبر عاجل