لبنان اولا: طريق الالتزام القومي
المحامي جورج ابو صعب
في احدى ليالي صيف 1943 قال الزعيم الاستقلالي الراحل رياض الصلح للرئيس الشيخ بشارة الخوري: "… من يعمل لحرية لبنان يعمل لحرية العرب جميعا في شتى ديارهم – ومن يعمل لحرية العرب يعمل لحرية لبنان ايضا… لبنان يستطيع ان يكون وطنا عربيا له طابعه الخاص ووضعه الخاص…"
فانطلاقا من هذا الكلام التاريخي لرجل عربي مسلم تاريخي في ظرف لبناني وقومي تاريخي نرى انه لا بد من توضيح بعض النقاط الملتبسة لدى بعضهم والتي تزيد يوما بعد يوم من الالتباسات السياسية داخل التحالفات والتيارات:
اولا: اذا كانت لكل طائفة او مذهب لبناني خصوصية ما – فكم بالحري ان يكون للبنان – هذا الاطار الذي يستوعب مجموع هذه الطوائف والمذاهب خصوصيته الخاصة ايضا لا بل خصوصيته المتميزة عن خصوصية طائفة او مذهب ما.
من هنا نرى ان ان الخصوصية لطائفة او مذهب ما في لبنان هي جزء من خصوصيات الطوائف والمذاهب الاخرى وبالتالي لا يصح ان تأتي خصوصية ما على حساب الخصوصيات الطائفية والمذهبية الاخرى – من هنا اهمية التفاعل الايجابي بين هذه الخصوصيات لا التفاعل التجزئوي او الانقسامي بين بعض منها مع الاخر.
فتحالف الخصوصيات المذهبية والطائفية هو الذي يحمي الطوائف والمذاهب تجاه بعضها بعضا اولا ومن ثم تجاه تغيرات الخارج وبالتالي هو الذي يحمي لبنان كيان الاقليات والمذاهب والطوائف.
ثانيا: وبالعودة الى كلام الرجل التاريخي رياض الصلح لفخامة رئيس الاستقلال اللبناني الاول بشارة الخوري – نجد ان اهمية الرجل الوطني تكمن في اي زمان ومكان في ان ينجح في اسقاط الواقع او الحالة الوطنية على الجو المحيط اقليميا لا العكس : فاهمية رياض الصلح وفكره الوطني والقومي الكبير انه اراد ونجح في ما اراده في جعل المصالح الاقليمية في ذلك الوقت تدور على وقع الساعة اللبنانية – وقد نجح في جعل الاولوية الوطنية اولا اساس لبناء الاولويات القومية والمحيطة بلبنان – وهو ادرك ان حرية واستقلال لبنان هو الاساس لحرية واستقلال العالم العربي وليس العكس – من هنا اهمية لبنان اولا منذ الاستقلال ومنذ كان لبنان الهوية السياسية المستقلة في هذا المحيط المتقلب.
لذلك فان الوفاء والاخلاص للقضايا القومية والعربية تحديدا يمر عبر الوفاء والاخلاص للقضية الوطنية وللوطن اولا – وقد اثبتت التجارب المريرة التي مر بها لبنان على مدار 30 عاما واكثر ان لبنان ضعيفا ومفتتا ومتصارعا مع ذاته هو عالة على نفسه وعلى القضايا العربية والمحيط الطبيعي فيما لبنان قوي معافى ومستقل وسيد مالك لمصيره بين يديه ولقراره الحر والمستقل هو ضمانة للمحيط القريب والبعيد في ان – ويكفي ان نشير او نحيل من تخونهم احيانا الذاكرة الى الجهود العربية المضنية والمتعبة التي بذلت ابان احداث 7 ايار لمحاولة رأب الصدع وجمع الاضداد بين اللبنانيين وكيف ادت الى ما ادت اليه من ارهاق عربي وسوري واقليمي وحتى دولي وقد جاهد الجميع في سبيل اخماد نيران الفتنة التي لو استمرت – لا سمح الله – لاجتاحت هذا الوطن العربي والقضايا العربية من المحيط الى الخليج والهبت الشعوب في اتون اقتتال لا تمحد عقباه – فلا ندري اية خدمة او اي التزام كان بامكان لبنان ان يوفره للقضايا العربية لو لم يهتم العرب والغرب بلبنان اولا في حينه؟
من هنا اهمية لبنان اولا – كما اهمية سوريا اولا – وها هو النظام السوري اليوم يهتم بمصالحه من خلال فتح قنوات التفاوض مع اسرائيل لاسترجاع ارضه وحقوقه من المحتل – وها هي سياسات انفتاح سوريا على الغرب والولايات المتحدة – وكلها في سبيل سوريا اولا – وهذا من حق سوريا كما من حق اي بلد عربي اخر ان يهتم بمصالحه وان يرى مصلحة بلاده اولا تمهيدا لدور فاعل في محيطه ثانيا.
ثالثا: ان استقرار الدول العربية شرط اساسي في الجيو – سياسة لاستقرار العالم العربي لا بل لقوة العالم العربي وبالتالي لالتزامه القضايا المصيرية والقومية – فلا نستطيع ان نلتزم بالقضايا القومية اذا كنا انفسنا ضعفاء لا بل انفسنا قضية بحد ذاتها – من هنا نجد ان لبنان اولا كما سوريا اولا – كما الاردن اولا – كما مصر اولا – كما غزة واريحا اولا (من ذاكرة التاريخ ) كما العراق اولا هي الشرط لبناء قومية عربية والتزام قومي بالقضايا القومية – اذا اردنا ان يكون الالتزام فعليا وليس كلاميا.
فلبنان معافى ومستقر في ظل دولة قوية يسودها القانون والسيادة والاستقلال والحرية هو الضمانة لا بل الطريق الصحيح للبنان قوي قادر على الالتزام بالقضايا العربية والقومية لا بل خدمتها خير خدمة – وهذا هو صلب فكر 14 اذار وثورة الارز وهي خطة الطريق هذه اللبنانية التي يعود اليها خيار الشعب وخيار الحركة الاستقلالية التي بدأت ليس منذ 2005 بل منذ عهد الاستقلال عام 1943 – والتي جدد اللبنانيون ثقتهم بها في انتخابات 7 حزيران الماضي.
رابعا: عندما سأل الرئيس بشارة الخوري الرئيس رياض الصلح: اذا كان يظن ان اتفاق الرجلين يمكن ان يجمع اخواننا المسلمين حوله فيرضون بان يصير لبنان وطنهم الاخير لا مرحلة انتقال؟ اي انهم لا يعودون ينظرون الى دمشق نظرتهم الى الامل المنشود – قاطعه الرئيس الصلح: "… اذا كان اتفاقا صريحا شريفا لا غبن فيه على احد ويحفظ كرامة المسلمين والمسيحيين معا ويوزع الحقوق على الجميع بالتساوي… فانا لا اكتفي برضى اخواني في لبنان فحسب بل اتعهد باقناع زعماء العرب وفي مقدمتهم السوريين بوجوب الاعتراف باستقلال لبنان والتعهد بالمحافظة على حدوده الحالية اعترافا وتعهدا ابديين. فنقلب صفحة الماضي المؤلم فنقضي على معزوفة الام الحنون ومعزوفة الالتحاق بدمشق ونبدأ الصفحة الوطنية الجديدة…" (مجلة الاسبوع العربي – العدد 66- 12/9/1960 – مقالة المؤرخ يوسف ابراهيم يزبك ).
فهذا الكلام الهام والعظيم من رجل عظيم قل ان يرى العالم العربي امثاله في ايامنا هذه – ان دل على شيء فعلى عمق ايمان الرئيس الصلح باستقلال لبنان وكينونته النهائية الملزمة للمحيط القريب كما للمحيط البعيد – وهو يثبت الفكر اللبناني لهذا الرجل وبالتالي اهمية واولوية لبنان اولا.
فلبنان اولا نقيض الطائفية المصلحية – وهو نقيض دويلات الامر الواقع – فمن يريد لبنان الدولة القوية لا يمكنه الا ان يفكر بلبنان اولا – لان لبنان اولا هو الاطار الحامي والمدافع والضامن لمصالح الطوائف والمذاهب على اختلافها – ولان الرئيس الصلح( السني العربي الاصيل ) وضع لبنان نصب عينيه ليبني مع العرب والمحيط علاقاته الندية وصولا الى اانتزاع اعتراف عربي وتحديدا سوري بلبنان الدولة والكيان السيد والحر والمستقل سند العرب ودرع قضاياهم.
وبالتالي ان منطق الامور كما ان عقارب الساعة لا تعود الى الوراء ونحن اليوم في زمن تأكيد الهوية اللبنانية منذ اتفاق الطائف والدستور الحالي للجمهورية الثالثة – لا نستطيع ان ننادي بتطبيق اتفاق الطائف الذي نص في الفقرة (أ) منه على ان لبنان "… وطن سيد حر مستقل – وطن نهائي لجميع ابنائه واحدا ارضا وشعبا ومؤسسات في حدوده المنصوص عنها في الدستور اللبناني والمعترف بها دوليا "- وفي الوقت عينه نقر بما للغير القريب او البعيد من تأثير على الدولة اللبنانية ومصير البلاد وما للغير من دور في وجودية لبنان وبقائه… لان لبنان استمد ويستمد وجوديته وقوته وكيانه القانوني والاستقلالي من ارادة ابنائه واتفاق ابنائه على انه الوطن النهائي لابنائه كما جاء في مقدمة الدستور المشار الى فقرتها اعلاه.
فلبنان اولا ليس بدعة ولا شعارا مستوردا او مصطلحا استفزازيا بل هو الخطوة الاولى الضرورية لبناء التزام لبناني متين وجدي بالقضايا العربية بعيدا عن منطق التحالفات الفئوية الظرفية ومنطق ادخال الغير من الخارج الى صلب الحياة الوطنية الداخلية لاتخاذه طرفا ضد طرف اخر داخلي – فلبنان اولا هو الخطوة التأسيسية الاولى باتجاه تحقيق ما يصبو اليه منتقدو هذا الشعار – وعلى هذا الاساس وجدت ثورة الارز وحركة 14 اذار وستبقى…
وللبحث تتمة …