جنبلاط… بلا رؤيا سياسيّة؟؟؟
أيمن شحادة
إنطلاقاً من الحريّات "المصانة" في بلدنا، يحق لأيّ شخص أن يبدّل ويغيّر قناعاته واتّجاهاته كما يشاء أكان ذلك بسبب أم بلا سبب، وعليه تحمّل تبعات قراره بسلبيّاتها وبإيجابيّاتها، ولكن على السّاحة السّياسيّة فالأمر يختلف قليلاً خاصّة بالنّسبة لمن يُفترض أنّهم ينتهجون تيّاراً سياسيّاً معيّناً يعبّر عن توجّهات ورغبات القاعدة الشّعبيّة المساندة.
قرار وليد جنبلاط تبديل موقعه من داخل معسكر 14 آذار إلى مكان أقرب إلى معسكر 8 آذار في هذه السّرعة القياسيّة، يعكس جانباً من الواقع الرّكيك والمتردّي للعمل السياسي في لبنان، فخطوات من هذا النّوع لا يمكن أن تحصل في دول ومجتمعات تتمتّع بالحدّ الأدنى من الأداء السّياسي المقبول أو حتّى المنطقي …. بكلّ المعايير.
كيف يمكن أن يُؤخذ قرار من هذا النّوع في الظّروف "المنطقيّة" وفي ظلّ مبرّرات "وجيهة"؟
التّقارب والتّباعد بين الأطراف المتصارعة جزء لا يتجزّأ من الممارسة السياسيّة الديمقراطيّة، ولكن هناك بالتّاكيد ممرّات يفترض اجتيازها كما يجب قبل الوصول إلى قرار التّلاقي أو الفراق، ففي حالة التّقارب والتّلاقي مثلاً يتمّ على مراحل تذليل العقبات والصّعوبات وتبديد سوء التّفاهم وإزالة التّراكمات السّلبيّة وتعزيز القواسم المشتركة لتؤدّي تدريجيّاً إلى تقارب ولاحقاً إلى تلاقي، …. أمّا في حالة التّباعد والفراق فيبذل الطّرف "الطّامح إلى التّميز" مساعيه لإقناع حلفائه برؤياه ومخاوفه وتوقّعاته من خلال حوار ولقاءات واجتماعات متكرّرة ومكثّفة، مفتوحة ومغلقة، وإذا تعذّر التّفاهم حول أسس جديدة مشتركة تحمي أو تحفظ هذا التّحالف، عندئذٍ يتوجّه هذا الطّرف إلى قاعدته الشّعبيّة لمناقشة المعطيات وتبادل الآراء والأفكار من خلال الهرميّة الحزبيّة صعوداً ونزولاً إلى أن يتمّ التوافق حول القرار المناسب أكان رفضاً للفراق مع الحلفاء أم تأييداً للإنتقال إلى الخندق المقابل أم ضوءاً أخضراً للتّمركز في موقع وسطي أم أيّ قرار آخر يعكس توجّهات وطموحات أكثريّة القاعدة الشّعبيّة.
جلّ ما فعله وليد جنبلاط كان توجيه بعض الإنتقاد "المزاجي" الموسمي لبعض حلفائه في 14 آذار عبر بعض وسائل الإعلام متناولاً بعض الجوانب الشّكليّة فقط، ولكنه لم يبادر ولم يسعى إلى طرح أيّ رؤيا أو هواجس للنّقاش مع حلفائه، فلم تكن هناك أيّ اجتماعات أو لقاءات أو حوارات في أيّة مواضيع خلافيّة قد تهدّد هذا التّحالف.
فجأة وبدون مقدّمات أعلن جنبلاط خلال مؤتمر حزبي دام ساعتين قرار خروجه من تجمّع 14 آذار وانتقاله إلى موقع آخر محاولاً تقديم تبريرات لها حيثيّات خاصّة، وكان هذا القرار مفاجأة كبيرة لكوادر وقواعد تجمّع 14 آذار تماماً كما كان مفاجأة أكبر للعديد من كوادر وقواعد الحزب الإشتراكي الذي يتزعّمه، فهو لم يسلك أيّا من الممرّات الدّيمقراطيّة الحضاريّة التقدّمية التي كان من المفترض فيه عبورها قبل التوصّل إلى هكذا قرار مفصلي …. لا على المستوى الوطني ولا على المستوى الحزبي.
طبعاً قيل الكثير عن أنّ وراء قرار جنبلاط تكمن قراءاته الدّقيقة للمتغيّرات الإقليميّة أو إستشعاراته الصّحيحة للأخطار المحدّقة أو تحليلاته الصّائبة لتداعيات الصّراع العربي الإسرائيلي أو إحساسه بالرّياح الآتية من الغرب أو مخاوفه على قوميّة وعروبة لبنان والدّروز… ولكن كلّ هذا الكلام ليس سوى مجرّد هراء وسخافات إنشائيّة لا قيمة لها تعوّدنا على سماعها بين الحين والآخر، فجنبلاط وعلى الأرجح اتّخذ هذا القرار بناءً على حسابات وتقييمات شخصيّة للأمور والأوضاع والتّوقّعات… لا أكثر ولا أقل.
فإذا كان الهدف من هذه الخطوة العشوائيّة هو استعادة شيء من الأمجاد السّابقة مع سوريا ومع حلفائها في لبنان، فهو بالتّاكيد خسر على جميع المحاور… أوّلاً لأنّ سوريا وحلفاؤها في لبنان حتّى وإن رحّبوا بهذه الخطوة باعتبارها مكسبا سياسيا لهم إلاّ أنّهم وبكلّ تأكيد سيكونون على جانب كبير من الحذر والحيطة تجاه جنبلاط ومفاجآته مستقبلاً ولن يعطوه ظهورهم مرّة أخرى، فهو كما انقلب الآن باتّجاههم بشكل صاعق، قد ينقلب عليهم مجدّداً على نحو غير متوقّع… وثانياً لأنّه، كما ذكرنا، خرج من 14 آذار بشكل فجائي دون مبرّرات منطقيّة ودون إتاحة المجال أمام هذا التّحالف لإصلاح الخلل والتّباين المفترض الذي لا يعرف حقيقته أحد سوى ما قاله من عموميّات أمام بعض وسائل الإعلام، وبالتّالي فإن عودة التّحالف معه باتت بمثابة خطوة أو بالأحرى خطوات إلى الوراء.
أمّا إذا كان الهدف من هذه الخطوة هو إيجاد تجمّع ثالث يساهم في تخفيف حدّة الإصطفافات الحاصلة والإحتقانات الطّائفيّة والمذهبيّة المتصاعدة بين معسكري 8 آذار و 14 آذار (وهذا أمر لا بأس به) فإنّه سيعتبر هنا أيضاً خاسراً لأنّ الأطراف التي ستدعم ولادة هكذا تجمّع ستفكّر مليّاً قبل الإنضمام إليه والعمل ضمن صفوفه لأنّ المؤسّس أو المحرّك الرّئيسي هو وليد جنبلاط… والذي قد يبادر مستقبلاً إلى إعادة التّموضع في الخارج بحثاً ربّما عن تجمّع رابع تفرضه حيثيّات جديدة!!!!!!
رجال السياسة الذين لديهم فكر واضح ورؤيا قابلة للتطوّر، لا يمكن أن يقدموا على خطوات من هذا النّوع إلاّ بالشّكل الحضاري الدّيمقراطي والأخلاقي اللائق أكان ذلك على مستوى التّحالف السياسي أم على مستوى الحزب الواحد…
كان من الأفضل لو أثار جنبلاط ضمن تحالفه السياسي كافّة المسائل الخلافيّة (ولا أحد يعرف حقيقةً ما هي) طبقاً للآليّة السّليمة، وبناءً عليها اتّخذ قراراته أيّاً كانت، عندها يدرك الجميع من موالين ومعارضين وحياديّين أنّ خطوة جنبلاط أتت على أرضيّة صلبة يمكن البناء عليها والمراهنة على أُسُسها… ولم تأت نتيجة نزوة مؤقّتة يمكن أن تزول فيما بعد، خاصّة وأنّ جنبلاط بات بحاجة ماسّة لكلّ ما يمكن يطوّر له صورته وهيبته السياسيّة ويكرّسه كرجل دولة… خلافاً لصورته الحاليّة التي بنظر الجميع تقريباً… دائماً متقلّبة لا يمكن المراهنة على استقرارها… وكأنّها صورة رجل سياسي بلا رؤيا.