#adsense

بكركي والسياسة

حجم الخط

بكركي والسياسة
بين موقف الحياد والشعور بالمسؤوليّة

بيتر حنّا

ما هي العلاقة بين الكنيسة والسياسة؟ وهل يجوز للكنيسة أن تتبنّى مواقف سياسيّة واضحة، أم عليها الوقوف على الحياد؟ ثمّ هل من مسؤوليّة تتحمّلها الكنيسة في أمور الوطن والسياسة، أم عليها أن تعنى فقط بالأمور الروحيّة؟ تساؤلات جديدة يواجهها الضمير اللبناني، وخصوصًا المسيحيّ، بعد أن لعبت المؤسّسات الدينيّة، وخصوصًا الصرح البطريركي في بكركي، دورًا جذريًّا في سياسات لبنان منذ قرون. وفي يومنا هذا، أكثر من أي وقتٍ مضى، حيث تبدو بكركي سيدة القرار السياسي الماروني وحاضنته.

العلاقة بين الكنيسة والسياسة

الكنيسة والسياسة، كلتيهما في خدمة البشر أنفسهم، وإن كان ذلك على صعيدين مختلفين. "فالجماعات السياسيّة تنشأ لأجل الخير العام، وفيه تجد التعليل الكامل لوجودها كما تجد فيه معناها، ومنه تستخرج حقوقها الخاصّة والأصيلة" (المجمع الفاتيكاني الثاني، طبيعة الجماعة السياسيّة وغايتها). والكنيسة، تعمل على تعزيز العدل والمحبّة أكثر فأكثر في كلّ أمّة وفيما بين الأمم. ولأنّ الكنيسة تعيش في العالم، فإنّ أعضاءَها يشاركون في بعدها الدنيويّ. أي أنّ الكنيسة والسياسية تلتقيان حول الخير العام الذي يتضمّن ثلاثة عناصر أساسيّة هي: إحترام حقوق الشخص الأساسيّة وتعزيزها؛ الازدهار أو النمو في خيارات المجتمع الروحيّة والزمنيّة؛ السلام والأمان للمجموعة ولأعضائها (التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، المشاركة في الحياة الاجتماعيّة).

بواسطة الدين ومن خلاله، يُمكن تحقيق الإنسانيّة الحقيقيّة. أي أنّ الدين المسيحيّ يَخدم إنسانيّة الإنسان، من خلال القيم الإنجيليّة التي من شأنها تغيير الركائز المبني عليها المجتمع وأهمها: المساواة بين جميع الناس، إزالة استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، الأخوّة، العدالة، السلام، المحبّة الشاملة للناس دون تمييز، مساندة الفقراء، احترام كل شخص بمفرده. وهذا ما يتبيّن من الناحية السلبية في المجتمعات التي ترى أنّه بإمكانها أن تتخلّى أساسًا عن قيم الدين، فلا تلبث أن تنحطّ إلى عدم الإنسانيّة: ويشهد على ذلك، الأنظمة الجائرة التي سادت في القرن العشرين في أوربا الشرقيّة والوسطى. وإنّ أهميّة الكنيسة، في الوقت الحاضر، لا تكمن في عقائدها- مهما كانت طبعًا هذه العقائد ضرورية لرسم صورتها- بقدر ما تكمن في أخلاقيّتها. هنا يظهر جليًّا أنّه لا يمكن على الإطلاق إيجاد بديل عنها.

من جهة أخرى، تهدف الكنيسة إلى التعرّف على ميدان التسامي، وجعله في متناول الناس. كما وتعمل على نقد المجتمع، نقدًا بنّاء، فتبيّن الفرق بين الوضع الراهن والمثال الأعلى الذي يجب السعي إليه، وتنتقل من المبادئ العامّة إلى الواقع التاريخيّ المعاصر، فتحدّد في الواقع كيف يجب تطبيق تلك المبادئ.

هذا وتحتاج كلّ جماعة بشريّة إلى سلطة تسوسها. وأساس هذه السلطة موجودٌ في الطبيعة البشريّة. فهي ضروريّة لوحدة المجتمع المدني. ومهمّتها الاضطلاع قدر الإمكان بخير المجتمع العام. وإنّ العمل السياسيّ هو المناخ العام الذي يحقّق فيه الإنسان ذاته. والإنسان يكتمل بانخراطه في المجتمع وفي الشؤون السياسيّة. ومن ثمّ فالمواقف السياسيّة التي يتّخذها الإنسان تؤثّر التأثير العميق على كيانه وعلى تحقيقه لذاته. وهنا تبرز أهميّة الشأن السياسي في حياة المؤمن والكنيسة فكلّ عملٍ في سبيل بناء مجتمع عادل هو عمل تحرير وعمل خلاص (مع أنّه لا يشكّل الخلاص كلّه). لكنّ الإيمان يتخطّى العمل السياسي ليعطيه معنىً إنسانيًّا وإلهيًّا، ويوجه كل اكتمال انسانيّ إلى الله المطلق. "وإنّ الكنيسة في مهمّتها وصلاحيتها، لا تندمج في الجماعة السياسيّة بحالٍ من الأحوال، ولا ترتبط بأيّ نظام سياسيّ، وهي علامة سموّ الشخص الإنساني وحرزُه" "فرح ورجاء" (Gaudium et spes).

الكنيسة بين تبنّي المواقف والوقوف على الحياد

ليس للكنيسة نظام سياسيّ أو اقتصاديّ أو اجتماعيّ خاص بها على غرار سائر الأيديولوجيات. ولا يُمكِن للإيمان المسيحيّ أن يُملي على المسيحيّين سياسةً واحدةً أو منهجًا سياسيًّا واحدًا. فالكنيسة لا تفرض موقفًا واحدًا على الجميع، بل تفسح في المجال أمام التعدّديّة في المواقف السياسيّة والاجتماعيّة. غير أنّه يصعب على المسيحيّ أن يقف موقف الحياد، فالمهم إذًا، أن يعي الأيديولوجيات التي يرتكز عليها عندما يتّخذ مواقف إجتماعيّة وسياسيّة.

وإن استحال على المسيحي أن يقف موقف الحياد فكيف تستطيع الكنيسة، وهي جماعة المؤمنين، أن تلتزم الحياد؟ إنّ الهدف هو ضمان الحرية لكلّ إنسان. فإذا كان التاريخ المعاصر هو تاريخ الحرية والتحرر، فالدور الأوّل الذي تؤدّيه الكنيسة هو دور الخدمة في سبيل تحرير الإنسان. وذلك بإنتقاد كلّ تسلّط من قِبَل الأيديولوجيّات والمؤسسات المدنيّة والدينيّة (تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، مدخل إلى اللاهوت الأدبي). "فحيثما تتجاوز السلطة العامة حدود صلاحيتها، وتتجاوز مقتضيات الخير العام عمليًّا، يحقّ للأفراد أن يدافعوا عن حقوقهم وحقوق الآخرين، ويقاوموا تجاوزات هذه السلطة، على أن يراعوا الحدود التي رسمتها الشريعة الطبيعيّة والشريعة الانجيليّة" (المجمع الفاتيكاني الثاني، طبيعة الجماعة السياسيّة وغايتها). فحريّة الرأي وحريّة الصحافة وحريّة الدِّين كلّها تضمن كمال الإنسان.

وإنّ من حقّ الكنيسة أبدًا وفي كلّ مكان، أن تبشّر بالإيمان في حرية حقيقيّة، من غير عائق، وأن تصدر حكمًا أدبيًّا حتّى في الأمور التي تتعلّق بالنظام السياسيّ، عندما تقتضي ذلك حقوق الانسان الأساسيّة، معتمدةً جميع الوسائل التي تتماشى وخير الجميع، وفقًا لاختلاف الأوضاع والأزمنة.

إنّ السياسة ركنٌ أساسيّ من أركان المجتمع الحديث، لذا فإهمال الكنيسة للجانب السياسي، هو إغفالٌ لا مبرر له، عن مسؤوليتها تجاه أهمّ أركان ذاك المجتمع.

كيف للكنيسة أن تتبنّى الحياد؟ إنّ الرجاء المسيحيّ ليس انتظار ما سيأتي فقط بل مساهمة في تحقيق التغيير المرتقب. أي أنّ الرجاء المسيحي يتضمّن أبعادًا سياسيّة. ومن ثمّ، لا يعود الخلاص أمرًا فرديًّا أو أمرًا يعني فقط نجاة النفس من هذا العالم الشرير، بل تحقيق الرجاء في العدالة، وفي أنسنة الإنسان، وفي جمعنة البشرية، وفي سلام يشمل الخليقة كلّها. المسيحيّ من خلال الرجاء المسيحيّ مرتبط بالمستقبل وهذا المستقبل مرتبط بالعمل ضمن التاريخ منذ الآن. وإنّ إله المسيحيّين هو إله الوعود، إله المستقبل. فالتاريخ إذًا، منفتح على الجديد دائمًا. وحيث أنّ الله لا يُمكن حصره في موضوع من التاريخ القديم، فإنّه دائمًا إلى الأمام؛ إنّه إله الموعد، لا يستطيع إدراكه إلا رجاء مستعدّ أن يتجاوز ذاته على الدوام.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل