إسرائيل و"تجاهل العارف" !
تتجاوز منظومة التهديدات الاسرائيلية المتصاعدة للبنان بوتيرة يومية غير مسبوقة إلا في حقبات الحروب الاسرائيلية عليه، كل الاطر الكلاسيكية، بما يفرض على المقلب اللبناني المستهدَف تدقيقا غير كلاسيكي في التعامل معها.
فمن المتفق عليه على نطاق واسع ان المضمون "الحربي" لهذه التهديدات، بمعنى تحويل لبنان بأسره بنك أهداف في اي حرب اسرائيلية عليه، هو من باب تحصيل الحاصل في اخذ هذه المنظومة على محمل الجد المطلق. المسألة هنا لا تخضع لجدل في ضوء الكثير من المعطيات الحسية والواقعية وليس اقلها ان الدولة العبرية تجري منذ عام 2006 اضخم مناوراتها من دون انقطاع وفق هدف مركزي اساسي هو لبنان.
وفي موازاة هذا الاقتناع، فان المتفق عليه ايضا هو ان ليس ثمة ما يشكل تهديدا فوريا بامكان اطلاق اسرائيل شرارة حرب جديدة في اللحظة الاقليمية والدولية الحالية. طبعا لا يشكل هذا الامر حزام امان كافيا للبنان، وخصوصا ان المنحى "الإرعابي" الذي يضغط قادة اسرائيل بقوة الى تعميمه يفترض ان يُقرأ من زاوية ان احدى اعتى القوى العسكرية لا تتحمل زلزالا مماثلا وموازيا للنتائج الكارثية التي حلت بها في حرب 2006، ولو لم تكن نتائج تلك الحرب اقل كارثية على لبنان. إذن "الإرعاب" يمثل راهنا اداة اسرائيل البديلة من حرب معلقة وجاهزة في انتظار الظروف التي تلائمها.
لكن الامر لا يتوقف على الهدف الحربي والنفسي وحده، بل يتجاوزه الى اقتحام اللحظة الداخلية اللبنانية على الارجح. ويدفع الى تكوين هذا الاستخلاص التركيز المستجد في تصريحات بعض القادة الاسرائيليين ولاسيما منهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على دخول "حزب الله" الحكومة الجديدة، كأنه امر طارئ و"اكتشاف" مستجد في السياسة اللبنانية. ذلك ان "تجاهل العارف" في تصريحات نتنياهو هو حيال واقع ان "حزب الله" اضحى الشريك الحكومي منذ امد طويل ومع حكومات متعاقبة، يُراد منه على نحو واضح تقريع المجتمع الدولي على التسليم للبنان بخصوصية ادارة سلطته السياسية وتاليا تحريضه على هذا التكيف و"الاستنساب". اذا كان من مغزى لهذا التطور الطارئ في اللحظة الحالية، فهو يدل على ان اسرائيل إما لم تجهز كفاية لشن حرب جديدة، او تفتقر الى الظروف التي تسوغ لها اختيار التوقيت المناسب، ولو ان ثمة من يعزو الامر الى مناورات مبكرة واستباقية لإمكان تحريك المفاوضات السورية – الاسرائيلية المباشرة في طالع الاشهر المقبلة على خلفية "تلزيم" سوريا تكرارا الملف اللبناني. ومهما تكن وجهة التقديرات، فان العامل الثابت في منظومة التهديدات الاسرائيلية هو انه لا يمكن عزلها عن اللحظة الداخلية اللبنانية التي تتجه نحو ارساء تسوية حكومية وسياسية طويلة المدى، اذا قيض لخواتيمها النجاح، ستكون اشبه بـ"دوحة لبنانية" مرعية عربيا واقليميا ودوليا.
في ذلك فقط، اي عبر العامل الاسرائيلي حصرا، لا بد من تبرير تشكيل حكومة وحدة وطنية في لبنان، ولو ان الكثير من العوامل الداخلية وموجبات "الديموقراطية المعلقة" ما كانت تقتضي اللجوء الى حكومة كهذه اقله بمنظار المعايير التي حتمتها الانتخابات. ولذلك تأخذ الحكومة المقبلة مشروعية كاملة من زاوية مشهد اقليمي مأزوم وداهم، شرط ان يتقن اللاعبون المحليون الرد على المنظومة الاسرائيلية بآليات سياسية تكفل ابراز حكومة الشراكة هدية لمنطق الدولة مهما تكن المخارج التي ستعتمد لتشريع التعايش بين الدولة والمقاومة.