#adsense

الفرح في الكسوف

حجم الخط

الفرح في الكسوف

الشرق، هذا الشرق، ديار الفرح المحرّم. اذا ضحك الشرقي واستغرق يوم الجمعة، تنبه وتوقف ضارعا: "اللهم نجنا من بكاء الاحد".
نحن ارض بابل. بلاد الحروب والمآسي. تقتل عشتروت وادونيس حبا قبل روميو وجولييت بدهر.
اول لون اخترعه الفينيقيون كان الارجواني، وها هو الملك داود يغني حتى تتفتق لصوته العذارى، كما يقول ابن الاثير. وها هو سيدنا ابرهيم يكاد يضحي بابنه، لكي يتقي غضب الرب. ويوسف الحُسن يريد اشقاؤه قتله. أقصد طبعا يوسف الصدّيق، الذي شغفت به امرأة العزيز حباً. وبماذا يحلم يوسف الصديق؟ سنوات سمان وسنوات عجاف! تزرع سبع سنين دأبا، قال الرب. السنوات السبع الاخرى، عجفاء وقحط وهول ولا دوام للمواسم، لان الفصول تتغير. من فصل الى فصل. من سنة الى سنة، عدا السنة الكبيس، حيث يطول شباط يوما اضافيا ايضا.

حرّم عليكم الفرح كاملا في بلاد الشرق واقاليمه. تربحون الانتخابات، تخسرون الحكومة. تأخذون الحكومة، تفقدون الحكم. من غرائب القدر المشرقي المتشابه، الامور الواقعة في رام الله وفي بيروت في وقت واحد: رئيس السلطة الفلسطينية فاز بالاكثرية النيابية فأخذت منه "حماس" غزة. اقتُطع منه القطاع واقتطعت له "دار المقاطعة" في رام الله. يرث ما اخذه ياسر عرفات في اوسلو: لا شيء! اذن بالزيارة لا يمدد الى اقامة كاملة. واخذت منه "حماس" وهج الرفض، سواء كان مؤلما او عبثيا.

هذا هو الشرق. وفي هذا الشرق، الناس مفتونون بجمال عبد الناصر الذي اضاع سيناء وهو يحارب، ويكرهون انور السادات الذي استعادها وهو يفاوض. لماذا؟ لان الشرق لا يسلّم الا باراقة الدماء. اقصد الشرف الرفيع، على وجه التحديد.

قبل حين فقط اعلن الاردن، احدى ابرز دول الشرق، قانونا لإقامة محكمة خاصة لجرائم الشرف. حتى ذلك الوقت، كان قاتل الاخت والابنة والزوجة والام، يكتفي بان يردد امام القاضي قول "لا يسلم الشرف الرفيع من الاذى حتى يراق على جوانبه الدم". لويس الحاج كان يقول "كيف يمكن تحديد جوانبه؟" هي المسألة.

ما اخذته "فتح" بالاقتراع هزمته "حماس" بالقوة. فريق يُعيَّر بالانهزامية واسرائيل والغرب، وفريق يقول بأخوّة السلاح، ومن البحر الى النهر. واحد ذهب الى اوسلو ونسي ان يأخذ ايصالا بالقدس، وواحد يدرك ان شمعون بيريس قد خدع ياسر عرفات، ثم ترك لأرييل شارون ان يحاصره ويقتله شهيدا، شهيدا، شهيدا.

الشرق ديار الفرح المحرّم. طرقات مسدودة. زنقات، بحسب تعبير المغاربة. فوي الزنقة لا تستطيع ان تكوّع. لا بد من الخروج تماما، اذا اردت التغيير. في الزنقة الاولى 7 ايار، تولى طلال ارسلان مرافقة وليد جنبلاط الى المخرج.

الآن يتولى وئام وهاب مرافقته الى المدخل، معلنا ان طريق دمشق مفتوحة امام وليد بك "وكل شيء اصبح من الماضي". كل شيء. ودمشق الجديدة احالت على الماضي ما هو للماضي. خطب ميشال عون في بعبدا، وخطب وليد جنبلاط في ساحة الشهداء. وكل من لديه خطاب يريد احالته على الماضي فليتقدم. أُعطي مفتاح المدينة لوليد جنبلاط، والقفل لوئام وهاب.
فرح الاكثرية بالانتخابات كان فرحا شرقيا. هذا النوع من الفرح تعبّر عنه الاغنية المصرية الضالعة في الميلودراما العربية الابدية. لذلك تقول "يا فرحة ما تمِّت".

"اللهم اعطنا خير هذه الضحكة"، يقول العربي المجرب كلما خطر له ان يضحك. خوف ان "يطلع" له "البكي" على حد غناء فيروز. لا تعرف كيف، ومن اين "يطلع" البكي.

شارك وليد جنبلاط في انشاء الاكثرية، ثم سحب المثقال عن حجر الزاوية. يسمى هذا في لغة الزلازل، الفالق. وهو يقع ما بين الشوف الذي ضمنه جنبلاط، وجزين التي استعادها جبران باسيل، ناسيا ان استعادة البترون اكثر اهمية كشرط استمراري. فما نفع النفس المنتشية بالنفس، ان تربح الجنوب وتخسر الشمال. فمثل هذا الاختلال قد يؤدي الى انتقال ارث العائلة من صهر الى صهر. ونحن، كما هو معلوم، في الحرب المقدسة ضد العائلات، ومعنا فيها آل ارسلان وآل فرنجيه وآل كرامي وآل الخازن. وسوف يتوج ذلك آل جنبلاط، وقد عادوا الى فرح اليسار ونعمة الاشتراكية. "ادخل فرح سيدك"، قال الرب.

الشرق منقلبات وبقائيات وزنقات عَ مد النظر. كلما تحرك المتحركون، اهتزت من تحتهم الارض هزتها الكبرى. ولكن ليست الاخيرة. ابدا الاخيرة.
سُمّينا خطأ الشرق الادنى. او الاوسط. نحن شرق الاقاصي: امس كانت "فتح" تصف "حماس" بالعصابة. العناق غدا. وهنا، في عاصمة التحولات المشرقية وشلالات الزئبق، استخدمت في الفترة الماضية نعوت مثل الخائن، والسارق، والقاتل، والسقايات، والواوية. الآن الجميع مدعوون الى العرس. وحمار جحا على رأس المدعوين، انه هذا الشعب الذي يرفض ان يصدق كل ما يرى. لا يريد ان يصدق سوى ما يسمع. يا شعب، يا اعشى، يا اغشى، حاول ان تقشع.

لا ضرورة لقراءة الكف. صحيح انها مهنة مربحة لكنها متعبة قليلا. لكي يرتاح اللبنانيون، يجب ان يقرأوا الوجوه، هذه ابسط انوع القراءة: اللغة الميسّرة للمبتدئين: صرف بلا نحو. حال من دون تمييز. خبر من دون مبتدأ. وما السياسة الا تجرع الغصص وتحيّن الفرص، كما تفضَّل عزيزنا الاحنف بن قيس. من قديم الزمان وسابق العصر والاوان.

بعد 80 الف شهيد و45 عاما، وحرب في الاردن وحرب في لبنان وانتفاضة الحجارة، تقف حركة "فتح" غير مصدقة ان حركة تحرير ناشئة قد جردتها من حصرية النطق باسم القضية. ولم يعد ذلك الشريط الطويل الشهادي الدامي سوى شيء من الماضي. مثل كل شيء. ويتقاتل الفريقان بالاضراس، فوق ارض تمنع فيها اسرائيل بناء الحدائق، وشبكات الري، وتقيم عليها جدرانا مثل حائط الصين، لا برلين.
ويصرف ايهود باراك نظره عن "فتح" و"حماس" ويقرر ان الحرب يجب ان تقع في لبنان. لماذا يجب ان تقع كل الحروب في لبنان، او على لبنان؟ اهلية واقليمية وطائفية ومذهبية واقتصادية، ونفطية ان شاء الله؟

المقلق، في صورة الشرق البانورامية، في العقد الاول من الالفية الثالثة للمسيح، ذوبان الاثر المسيحي في حياة الشرق. ففي فلسطين، حيث لا مكان للمسيحي في حركة التحرير "الاسلامية" ("حماس")، لم يكن هناك وجود ايضا لمسيحيي فلسطين في مؤتمر رام الله. لا جورج حبش، ولا حسيب صباغ، ولا سعيد خوري، ولا كمال ناصر، ولا وديع حداد، ولا يوسف صايغ، ولا اميل نخله، ولا زهدي الطرزي ولا احد. الله يروم والله لا يروم.

والمحزن للسادة المسيحيين، انهم محظورون تحت السلطة الاسرائيلية، حتى في كنيسة القيامة، وغائبون تحت السلطة الفلسطينية، التي خاضوا نضالها منذ اليوم الاول. هذا مؤسف للجميع، وخصوصا للذين لا يزالون يتذكرون ان يسوع ابن مريم بنت داود، من مواليد بيت لحم، قضاء الناصرة.

وهنا، في لبنان، يتداعى المسيحيون كوجود سياسي، على نحو مأسوي ومثير للشفقة. فالجنرال ميشال عون يبحث عن كنائس يعقد فيها الاتفاقات السياسية، من خط التماس السابق في الشياح، الى فناء الزعامة الجنبلاطية في الجبل. فلعل حضور الملاك مار مخايل يغني عن حضور بكركي. او لعل الرمز ينتقل من وحدانيتها، ليصبح متعدد التفاهمات والاتفاقات. ومن يدري. فقد يستطيع الجنرال عون ان يقنع جنبلاط بقبول المسيحيين في حلف سياسي، وان اساء ذلك الى العروبة وفلسطين واليسار القومي، ورغبة وليد بك في ان يبقوا خارجا.

واما المسيحيون الآخرون، فالسلام عليك يا مريم. ترى في اي اتجاه سوف تتطلع سيدة حريصا؟ لقد زلزل جنبلاط الارض من تحتهم، وليس البساط. خاض المعركة الى جانب شمعون والجميل وجعجع، وخرج يخوض الحرب على الجبهة الشرقية، كشافه الوزير وهاب الذي قبل اشهر يعلن نجاته من ممكن الجنبلاطيين وينعى، بصوته الخارق جدران الصوت، احد مرافقيه على ايديهم.

سبحان الله كيف يصبح الماضي، عندما يمضي. لا يعود الغفران عنده وحده، بل يقتدي به البشر، ويصير سهلا على قلوبهم ونديا على صدورهم، الغرب، المادي، لا يفهم هذه الروحانيات السامية. نحن في الشرق، علمنا الحَرّ ان نطلب الفيء. وان ظلّنا يطول خلفنا كثيرا بُعيد العصر. لكنه يعود الى حجمه عندما تعز الظهيرة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل