"عودة سوريا" وهْم مكرّر و"احترام إرادة الناخبين" يعيد الاعتبار لمركزيّة 7 حزيران
أكثريّة الـ 71 نائباً شرط للتقارب العربي العربي
لئن كانت التسوية الحكوميّة بعد الإنتخابات إنعكاساً لتقارب عربيّ ـ عربيّ كما يقال، فإن إستمرار "أكثريّة الـ71 نائباً" له أيضاً بعده العربيّ، وهو الشرط الذي من دونه لا ترجمة لبنانية صحيحة للتقارب العربيّ ـ العربيّ، ولا تعزيز حقيقياً للمناخات التي توحي بهذا التقارب في الأساس.
لقد تسرّع لفيف 8 آذار في الحكم بأنّه لم تعد هناك "أكثريّة" و"أقليّة" في لبنان، بل وصل الشطح ببعض هؤلاء إلى التبشير بـ"عهد سوريّ جديد" يطلّ على البلاد، ناج من يلتحق به ومفقود من يعتكف عنه.
الواقع ليس فقط أعقد من هذا التسرّع وذاك الشطح. بل أنّه يسير في إتجاه معاكس، وخصوصاً إذا ما جرى التقاط لحظة اللقاء بين الرئيس المكلّف سعد الحريري ورئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط للبناء عليها، من خلال ابتكار صيغة تستمرّ فيها الأكثريّة بموجبها أكثريّة، ويكون تمايز "اللقاء الديموقراطيّ" مزدوجاً: تمايز "عن" الإطار التنظيميّ لـ"قوى 14 آذار" وتمايز "ضمن" الإطار البرلمانيّ والحكوميّ لـ"أكثريّة الـ71 نائباً". بالتالي يعزّز التمايز الموجود أصلاً بين "قوى 14 آذار" من جهة وبين "الأكثرية البرلمانيّة" من جهة أخرى، والأخيرة تضمّ من الأساس نوّاباً مستقلّين من خارج 14 آذار.
إذا ما وضعت ضوابط تفصيليّة ترعى هذا التطوير لصيغة "الأكثريّة البرلمانيّة" نصبح أمام معادلة مركّبة: فـ"قوى 14 آذار" هي الأكثرية الساحقة ضمن هذه الأكثريّة، و"تكتّل لبنان أولاً" هو أكثريّة أكثريّة الأكثريّة، و"تيّار المستقبل" يمثّل بدوره أكثريّة "لبنان أولاً". بهذا الشكل المركّب يعاد إنتاج معادلة "أكثريّة وأقليّة" وفقاً للسياقات اللبنانيّة المختلفة وتعقيدات اللحظة الإقليميّة الحالية، وعلى هذا الأساس يستمرّ الرئيس المكلّف حاملاً لشرعيّة "الأكثريّات" الأربع: أكثريّة "الـ71 نائباً"، وأكثريّة 14 آذار، وأكثريّة "لبنان أولاً"، وأكثريّة "تيّار المستقبل". أي أنّه صلب الصلب، وعلى هذه القاعدة يضع الصيغة الحكوميّة بالإتفاق مع رئيس الجمهوريّة.
وإذا كان من ثوابت "قوى 14 آذار" مواصلة ثورة الأرز وتكريس المناصفة الإسلامية المسيحيّة والعمل على وقاية لبنان وحمايته وتحييده عن المخاطر، بالإضافة إلى الإنتصار دائماً لخطّ المحكمة الدوليّة، فإنّ "الأكثريّة البرلمانيّة"، بنوابها الـ 71 تلتقي على الدفاع عن رئاسة الجمهوريّة، ورفض تعطيل المؤسّسات، ورفض استخدام العنف في الداخل، والإلتزام بإتفاق الطائف، ويعني هذا الإلتزام أنّ هناك قوى معادية لإتفاق الطائف في البلد وساعية للإنقلاب عليه وأن أكثرية الـ71 نائباً ينبغي أن تقف لها بالمرصاد، بشكل أو بآخر.
إن "أكثريّة الـ71 نائباً" هي إنجاز تاريخيّ حقّقه الشعب اللبنانيّ، الذي لأوّل مرة في تاريخه ينتج أكثريّة برلمانيّة واضحة، بأفق تحديثيّ واضح عبّر عنه البرنامج الإنتخابي لـ 14 آذار بشكل مقتضب، والبرنامج الإنتخابيّ لـ"تيار المستقبل" بشكل مفصّل. إحترام إرادة الناخبين يعني إذاً شيئاً واحداً: إستمرار "أكثريّة الـ 71 نائباً"، والنجاح في إعمال تمييز واقعيّ، ومثمر، بين الأكثريّة كأكثريّة برلمانيّة وحكوميّة وبين "قوى 14 آذار" بوصفها، "التنظيم الطليعيّ" ضمن هذه الأكثريّة!
هذا يعني أن حدثاً تاريخيّاً هزّ المنطقة مثل إنتصار 7 حزيران الديموقراطيّ اللبنانيّ لا يمكن أن يشطب. وأنّ ظروف 7 أيّار وإن كان 7 حزيران لا يلغيها فإنّها لا تستطيع بدورها إلغاءه، ولو كانت ظروف 7 أيّار تفرض وبعد 7 حزيران تحديداً أعباء اضافية على الطائفة الدرزية ومنطقة الجبل وعلى "اللقاء الديموقراطيّ" ورئيسه، بما يدفع الأخير للعمل تحت شعار "تحييد الطائفة الدرزية" عن أتون "الإحتمالات الكابوسيّة". المفارقة هنا أنّ "قوى 14 آذار" تعمل في موازاة ذلك على "تحييد لبنان ككل" من أتون "الإحتمالات الكابوسيّة". صحيح أنّ هناك تناقضاً بين "تحييد المجموع" و"تحييد الجزء"، إلا أنّ هناك أيضاً صلة وصل خفيّة، بل ضمنيّة، بل صميمة، وهذه ينبغي إعادة إلتقاطها، والحرص عليها.
فالمشكلة في الأساس ليست "توضيب" البيت الأكثريّ، ولا حتى تجاوز "العرقلة العونيّة" في تشكيل الحكومة. المشكلة هي، قبل 7 أيّار وبعد 7 حزيران، مشكلة "السلاح". وقد تعبت الحركة الاستقلالية من "استعصاء" هذه المشكلة عليها، وهذا التعب يسبب ارهاقاً وتفسّخاً وتسليماً وإحباطاً، لكن كل واحدة من هذه "الحالات النفسية" تعيد تسليط الضوء على مشكلة أنّ هناك أمراً غير طبيعيّ، غير سليم، يمكن مداراته حيناً، ومجاملته حيناً آخر، والتعايش معه إما عن "إكراه"، وإما بعقلية حرص "أم الصبيّ" على الكيان والإستقرار، وإما في إنتظار "فرج" لا نعرف من أين يأتي، لكن في كل الحالات لا يمكن التعامل مع مشكلة "السلاح"، سلاح "حزب الله"، كما لو أنّها غير موجودة. إنّها المشكلة المركزية المعترضة قيام مشروع الدولة الحديثة في لبنان. من هنا وحتّى لو لم يكن لـ"أكثريّة الـ 71 نائباً" موقف جامع بإزاء هذه المشكلة، فيكفي لصدّ الباب أمام "استشراء الإستعصاء" أن تبقى هذه الأكثريّة، وبالضمانة العربيّة لهذا البقاء، والبعد العربيّ لها كأكثريّة، وبالتقائها على قاعدة الدفاع عن الرئاسة الأولى ورفض بدع التعطيل وإنكار حقّ استخدام السلاح في الداخل، وبتأثّرها بطريقة أو بأخرى بكونها أكثريّة مؤلّفة أساساً من نسيج "قوى 14 آذار"، ومركز ثقلها "تكتّل لبنان أولاً".