عملياً، لبنان في وضع (تعليق الدستور)
قد يكون لبنان من أكثر البلدان الذي فيه أعراف وقوانين ومواثيق ودساتير واتفاقات وتفاهمات، لكن آلية الحكم فيه تكاد لا تلتزم بأيٍّ منها بل بالمعادلات الداخلية حيناً وبالمعادلات العربية حيناً آخر، وبالمعادلات الدولية أحياناً، كأن هذا البلد وُجِد ليُحكَم من الخارج أو ليُدار من الخارج وأن سلطته الداخلية لا دور لها سوى السهر على تطبيق ما يُقرَّر في الخارج.
الأمثلة على ذلك كثيرة ونبدأ بالأحدث منها:
صارت معادلة 15 – 10 – 5 كأنها منزلة وان أي تغيير فيها يُعتبر إخلالاً بتوافقٍ عربي ودولي، وإذا أختل هذا التوافق فلا أحد يضمن إمكان التوافق على معادلة جديدة، علماً أن لا نص في الدستور يتحدث عن هذا الأمر.
* * *
مثلٌ آخر:
في اتفاق الدوحة تمَّ التوافق على أن الحكومة لا يستقيل منها أي وزير، علماً أن لا شيء في الدستور يمنع الوزير من الإستقالة، وهكذا غلبَت بنود إتفاق الدوحة بنود الدستور ومواده.
* * *
في إتفاق الطائف الذي تحول إلى دستور، أُقر ان تجري الإنتخابات النيابية على أساس المحافظة (بعد إعادة النظر بالتقسيمات الإدارية) فجاء اتفاق الدوحة لينسف هذا البند وليُقرِّر أن تجري الإنتخابات وفق قانون ما قبل الطائف بثلاثين عاماً.
المشكلة اليوم أن هناك قوانين لكن ليس هناك مَن يريد أن يطبقها، ربما لهذا السبب تدور عملية تشكيل الحكومة في حلقة مفرغة، فمعادلة 15 – 10 – 5 وُجدت على أساس أن الأكثرية تملك واحداً وسبعين مقعداً نيابياً، قد تتغيّر هذه المعادلة بعدما بادر النائب وليد جنبلاط إلى خلط الأوراق داخل الأكثرية، فهل يُعقَل أن تبقى المعادلة على ما هي عليه؟
وإذا لم تكن كذلك فما هي المعادلة البديلة؟
* * *
هذه الإشكالية قد تجد مفاعيل لها داخل جلسات مجلس الوزراء فإذا طُرح مشروع قانون على التصويت فإين سيكون وزراء الوزير جنبلاط؟
إذا كان التموضع الجديد يمنع عليهم الوقوف إلى جانب 14 آذار فإنه يصعب عليهم في الوقت ذاته أن يكون إلى جانب وزراء 8 آذار، فما الدور الذي سيؤدونه إلى جانب رئيس الجمهورية في هذه الحال؟
* * *
لم يَعُد موقف جنبلاط عقدة فحسب، بل أصبح مُحيِّراً ولغزاً، لكن كل هذه الأمور من شأنها أن تنحسر حدّتها إذا لم يُعتَمد التصويت داخل مجلس الوزراء، وهنا نكون مجدداً قد دخلنا في (سابقات) الإتفاقات المسبقة فوق الدستور وعلى حسابه، لكن كيف يستمر البلد في ظل سياسة (تعليق الدستور)؟