دولة المزارع!
… كل التصرفات تؤكد ان هناك في هذا البلد من لا يريد دولة ومؤسسات، وهؤلاء، وإن تلطوا خلف شعار الاصلاح والتغيير، هم في حقيقة الامر يعملون من أجل دولة هشة محكومة بمزارع فئوية وعشائرية وعائلية، ما يعني في نهاية المطاف تقسيم البلد على مقاسات معينة ومحددة، وكأن الحرب لم تنته بعد، والبلاد لا تزال محكومة بأمراء الأزقة والزواريب والمناطق.
واستدراكاً، فإن منطق الجنرال ميشال عون غريب عجيب، ونحن لا ندري كيف يسمح لنفسه بإطلاق طروحات لا تتناسب أبداً مع منطق الدولة، ولا مع الواقعية، ولا مع الموضوعية، بإصراره على توزير صهره الراسب في الانتخابات النيابية في دورتين متتاليتين، والأنكى انه فشل في الوزارة، وكل مواطن يعرف هذا، وكل مشترك في الهاتف الخلوي يدرك كم تسبب هذا الوزير الفاشل بتراجع هذا القطاع الى درجة انقطاع المكالمات فجأة ومن دون أي تبرير.
ونذكر لعل الذكرى تنفع ان الجنرال ميشال عون قال عندما تم توزير الوزير نسيب لحود الذي لم يحالفه الحظ في انتخابات الـ2005، إن هذا التوزير صفعة للبنانيين، والعجيب أن عون مسح كلامه اليوم، ولم يعد توزير جبران باسيل الراسب صفعة للبنانيين الذين رفضوا الاقتراع له.
… هل نستطيع يا ترى القبول بالمنطق العائلي والعشائري فقط، وبعدها نقول إننا نريد دولة؟
قطعاً، لا نستطيع ذلك على الاطلاق، وكان الاولى بالجنرال ميشال عون أن يقول إنني لا أريد مكاسب لأي فرد من عائلتي، إذ هكذا يتصرف القادة، ومن يعتبرون أنفسهم في سدة المسؤولية، ولكن، على من تقرأ مزاميرك يا داوود؟
وبكل أسف، لو كان الجنرال عون يعتبر، وهو أصلاً لا يعتبر، لما أصر على تحقيق مكاسب عائلية خلافاً لمصلحة الوطن والمواطنين، ولما لجأ الى المطالبة بتوزير من لم ينتخبهم الناس ولم ينالوا ثقتهم.
بموازاة ذلك، يطلع علينا الوزير السابق وئام وهاب ليعلن أن هناك فضيحة في الاتصالات الهاتفية الدولية، ويشير الى أن هناك 280 خطاً خارجياً تحت العمل وعلى مدى 24 ساعة، محملاً المسؤولية لمدير عام اوجيرو عبد المنعم يوسف، الذي وحسب قول وهاب إنه محسوب على جهة سياسية معينة.
… هذا الامر يأتي في سياق سياسة التجني، وكنا نود لو نشكر السيد وئام وهاب على معلوماته الثمينة التي أوردها، والتي يطلب فيها من الرئيس المكلف، والذي لم يتسلم بعد مسؤولياته الرسمية، أن لا يبدأ عهده بفضيحة مثل هذه الفضيحة، ولكن العجب العجاب في الاتهامات التي وجهها السيد وئام وهاب، انه تناسى عن سابق تصوّر وتصميم أن وزير الاتصالات جبران باسيل هو المسؤول الأول في الوزارة، وليس منطقياً أن يتم وضع هذه القضية في خانة اوجيرو، هذا اذا كان هناك فعلاً من قضية.
ونسأل هنا، من هو أهم في الموقع وفي سدة المسؤولية، الوزير أم مدير عام اوجيرو؟
.. قطعاً، إن الوزير مسؤول عن وزارته ومتفرعاتها، وهو الذي يرسم سياساتها، ويوافق على برامج عملها، وهو الآمر الناهي في كل ذلك.
.. كيف يمكن بعد ذلك أن نوجه الاتهامات ونلقي بالمسؤوليات على عاتق من هو ليس في موقع القرار الأساسي في هذه الوزارة أو تلك؟
.. في مطلق الأحوال، فإن هذه الأساليب تندرج في إطار سياسة الاتهام والتهجم على الآخرين من دون أي مسوغ قانوني أو شرعي، ونضع هذا الامر أيضاً في خانة من لا يريد دولة حقيقية، بل فقط دولة مزارع إذا جاز التعبير.