كيف تستعيد الحكومة الدور الخارجي وتستغل الفرصة التاريخية؟
لبنان عضواً في مجلس الأمن: الفرص والتحديات
من المقرر أن يمثّل لبنان المجموعة العربية في مجلس الأمن كعضو منتخب للفترة الممتدة بين 2010 و2011، بعد انتخابه المتوقع لهذا المنصب بين شهري أيلول وتشرين أول المقبلين. وبمقدار ما تمثل هذه الخطوة فرصة تاريخية للبنان يستعيد من خلالها دوراً محورياً افتقده طيلة فترة الوصاية كما يسترجع صورة ديبلوماسيته الناشطة عندما انتخب لذات المنصب في خمسينيات القرن الماضي، فإنه يفرض تحديات جدية على أكثر من مستوى، ما يستدعي، إلى الديبلوماسية الفاعلة، من الحكومة العتيدة إيلاء هذا الاستحقاق أهمية استثنائية.
بين الفرص والمحاذير
بيد أن هذه المسألة لا تبدو موضع اجماع داخلي، اذ جرت مقاربتها على المستوى السياسي بوجهتي نظر، عبّر عن إحداها رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط قبل فترة، وقيل يومها إنها تعكس أيضاً موقف "حزب الله" المرتاب دوماً من المجتمع الدولي ومؤسساته، ومفادها أن ثمة مخاطر ستترتب على انتخاب لبنان لعضوية مجلس الأمن، بما تعنيه من محاذير "الانزلاق الى لعبة الأمم الكبرى(..)عند كل محطة مفصلية تتعلق بالمنطقة وتشكل عامل انقسام عربي، اسلامي أو آسيوي"، من دون أن يعني ذلك تغييب الايجابيات التي سيجنيها لبنان من هذا الأمر.
أما وجهة النظر الثانية، والتي تتبناها غالبية القوى السياسية وسبق أن أكد عليها رئيس الجمهورية ميشال سليمان في أكثر من مناسبة وأكد في ملتقى دولي حيث قام بحملة لدى من التقاهم من المسؤوليين الدوليين لكسب أوسع تأييد ممكن للبنان الى هذا الموقع، فترى أن انضمام لبنان الى عضوية مجلس الأمن، يمثلّ فرصة تاريخية، له ولمحيطه العربي، وخصوصاً في ظل التطورات والتحولات التي تشهدها المنطقة، للدفاع عن القضية الفلسطينية والمطالبة بتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة بالقضايا العربية أو تفعيل تطبيقها، ومناسبة لشرح وجهة نظره أمام المجتمع الدولي من دون وسطاء، وللتدخل من موقع متقدم للوقوف أمام فرض عقوبات على دول عربية واسلامية وإعادة التأكيد على أن موضوع سلاح المقاومة شأن لبناني داخلي يعالج بالحوار، والمطالبة بتنفيذ القرارات 425، 242 و194، لناحية تحرير الأرض وضمان حق العودة ورفض التوطين.
وأيضاً، فان قرار ترشيح لبنان ليكون عضواً غير دائم في مجلس الامن يعود الى قرار اتخذه مجلس الوزراء برئاسة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العام 1996، وقد تبنت الجامعة العربية هذا الترشيح عام 1997 ومن ثم مجموعة الدول الآسيوية، فمجموعة الدول الاسلامية عام 2008. أي أن القرار لم يتخذ في ظل الاستقطاب السياسي القائم منذ العام 2005، لا بل انه يعكس رؤية الرئيس الشهيد لدور لبنان على المستوى الخارجي بما يتماهى مع رسالته ومكانته في محيطه العربي.
لهذه الأسباب وغيرها، بات الأمر محسوماً لمصلحة وجهة النظر الثانية، وبالتالي فإن الجدل في جدوى هذه الخطوة أصبح شيئاً من الماضي، بحسب المصادر الديبلوماسية، خصوصاً أن لبنان عمل لهذا الأمر فترة طويلة لحشد التأييد على مستوى المنطقة والعالم.
1701 والخروقات المستمرة
تأسيساً على ذلك، تصف مصادر ديبلوماسية، حلول لبنان في موقع القرار الدولي بأنه "أمر تاريخي، وله أهمية استثنائية يسمح للبنان بأن يكون صاحب صوت مسموع وقادر على التأثير في سير مناقشات وقرارات مجلس الأمن، وخصوصاً في القضايا المتعلقة بحفظ السلام والأمن الدوليين، بما فيها قضايا الشرق الأوسط"، إذ، بموجب ميثاق الأمم المتحدة، يضطلع مجلس الأمن بمهام: "المحافظة على السلام والأمن الدوليين وفقا لمبادئ الأمم المتحدة ومقاصدها، التحقيق في أي نزاع أو حالة قد تفضي إلى خلاف دولي؛ تقديم توصيات بشأن تسوية تلك المنازعات؛ وضع خطط للتصدي لأي خطر يتهدد السلام أو أي عمل عدواني، وتقديم توصيات بالإجراءات التي ينبغي اتخاذها؛ دعوة جميع الأعضاء إلى تطبيق الجزاءات الاقتصادية وغيرها من التدابير التي لا تستتبع استخدام القوة للحيلولة دون العدوان أو وقفه؛ اتخاذ إجراءات عسكرية ضد المعتدي؛ التوصية بقبول الأعضاء الجدد في محكمة العدل الدولية؛ والاضطلاع بمهام الأمم المتحدة للوصاية في "المواقع الاستراتيجية"، بما يعنيه كل ذلك، من ضرورة المشاركة الفاعلة في جميع جلسات المجلس الرسمية وغير الرسمية، سواء على مستوى المندوبين أو الخبراء.
ووفقاً للمصادر الديبلوماسية نفسها، فإنه سيكون بمقدور لبنان ومن مسؤولياته "إعطاء رأيه في كل القضايا والمسائل التي تشغل الرأي العام العالمي من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب، من تايوان الى ثوار كولومبيا وتيمور الشرقية وصولاً الى أزمة الشرق الأوسط وغيرها من القضايا الاقليمية"، وتضيف ان هذا الأمر "يفرض مسؤوليات وتحديات أمام الحكومة المقبلة، لناحية إنجاح لبنان الرسمي في إطلالته العالمية المنتظرة على المسرح الدولي، بعدما بقيت سياسة لبنان الخارجية على مدة عقدين من الزمن مغيبة بفعل تسلط الوصاية عليها".
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بحسب هذه المصادر، بل سيكون بمقدور لبنان "متابعة قضاياه مع المنظمة الدولية ومؤسساتها مباشرة ومن دون وسطاء، كالمطالبة باستكمال تطبيق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بلبنان، التي تؤكد على ضمان استقلاله وسيادته وحرية أرضه كاملة، وليبرهن للعالم استمرار التزامه بالقرار 1701، وكشف الخروق الإسرائيلية المستمرة لهذا القرار من خلال الخروق الجوية للسيادة وشبكات التجسس واستمرار احتلال أراض لبنانية في الغجر ومزارع شبعا وتلال كفرشويا".
تفعيل الدور بتفعيل الأداء
إلى ذلك، ترى المصادر، أن على لبنان كي يستطيع تأدية دوره المطلوب في مجلس الأمن، باحتراف ومسؤولية، ويحقق مكاسب تحسب له وتضاف الى رصيده، القيام بعدة خطوات سريعة واعتماد عدد من الوسائل التي تساهم في تفعيل ديبلوماسيته الخارجية، خصوصاً وأن لديه ديبلوماسيين أكفاء وأصحاب خبرة وتجربة ومعرفة. ومن هذه الخطوات: المبادرة الى تعزيز البعثة اللبنانية في نيويورك والتي تعاني من نقص حاد في الجهاز الديبلوماسي، وذلك من خلال مدّها بمجموعة من الديبلوماسيين المحترفين المؤهلين للتعامل مع عشرات الملفات المطروحة والتي ستطرح أمام مجلس الأمن، ورفع التقارير والتوصيات بشأنها للسلطات اللبنانية لاتخاذ القرارات المناسبة، مع ما يستتبع ذلك من لحظ القضايا العاجلة والطارئة التي تستوجب موقفاً لبنانياً، أو لبنانياً عربياً بسرعة قد تكون قياسية لاتخاذ قرار يجري التصويت على أساسه.
اشارة الى أن عدد أفراد البعثة اللبنانية حالياً في نيويورك يبلغ خمسة ديبلوماسيين فقط، وقد اتخذ قرار اخيراً بزيادتهم الى عشرة، لكن حتى هذا الرقم يبقى دون العدد المفترض أو ذلك المعتمد لدى البعثات التي تحتل عضوية دائمة أو مؤقتة في مجلس الأمن، فمثلاً يزيد عدد أفراد البعثة الأميركية عن المائة فيما طاقم بعثة أوغندا يتعدى الفريق اللبناني بمرة ونصف المرة.
هذا على مستوى البعثة في نيويورك: أما في لبنان، فإن الموقع الجديد يستلزم، بحسب المصادر نفسها، انشاء خلية عمل مكونة من ديبلوماسيين وخبراء ومستشارين، يمثلون وزارة الخارجية ورئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء، تعمل على مدار الساعة لبلورة الموقف السياسي والديبلوماسي اللبناني، أو العربي، بالسرعة والفاعلية اللتين تتطلبهما ضرورات اتخاذ القرار قبل عرضه على مجلس الأمن، بما يتناسب مع أهمية الموضوع من جهة، وبما يحقق المصلحة اللبنانية والعربية من جهة ثانية.
وعلى المستوى الإقليمي، إن على لبنان، بوصفه ممثلاً لصوت الإجماع العربي في مجلس الأمن، تبني ديبلوماسية ذكية تقوم على تدوير الزوايا والمساعدة في بلورة توافقات عربية من القضايا المطروحة أو في الحد الأدنى التخفيف من حدة الاحتقانات والتشنجات السياسية، بما يضعه أمام مسؤوليات تتعدى الإطار الوطني والسياسي الداخلي، وتوجب عليه اعتماد الديبلوماسية المتحركة إزاء القضايا العربية الكثيرة من فلسطين الى العراق والسودان واليمن والامارات العربية المتحدة والمغرب ولبنان بطبيعة الحال.
باختصار، لبنان أمام تحدي إعادة إنتاج دوره والريادي في محيطه العربي وأمام المجتمع الدولي، فكيف سيتعاطى مع هذا الأمر؟