الحكومة اليوم قبل غد
تأخر تشكيل الحكومة. في البداية كانت مهلة 4 الى 5 اسابيع معقولة، لا بل انها كانت ضرورية لانضاج الطبخة، ولغربلة المطالب وتذويبها بالتخلص مما يتجاوز المنطق، وإبقاء معادلة التسوية التي اتفق عليها الجميع. فصيغة 15-10-5 شكلت في العمق تنازلا من الغالبية المؤكدة آنذاك والمعلقة اليوم، بالقبول بالوزير الحادي عشر (شيعي) المقنّع من ضمن حصة الرئيس ميشال سليمان، فضلا عن التزام التوافق قبل اتخاذ اي قرار مهم ايا تكن الاعتبارات منعا لحدوث انقسام على غرار ما حصل في الاعوام الماضية. وصارت الصيغة ثابتة تماما. في الثاني من آب كان مؤتمر البوريفاج وموقف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الذي اعلن انتقالاً عملياً من صفوف الغالبية الى "منزلة بين منزلتين" بما قلب الموقف بالنسبة الى رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري الذي تحول بين ليلة وضحاها من زعيم لغالبية موصوفة الى زعيم لغالبية معلقة بموقف جنبلاط وتوضيحاته. وليس سرا ان العلاقة التي بدأت منذ الثلثاء بالتحسن شهدت برودة لم تعهدها العلاقات بين الزعامتين منذ ايام الرئيس الشهيد رفيق الحريري. كل ذلك ادى الى تبدل الاولويات وتأخر تشكيل الحكومة نظرا الى التعقيد الذي ولدته مسألة اعادة تموضع النائب وليد جنبلاط.
بعد اللقاء الاول مساء الثلثاء الفائت بين الحريري وجنبلاط اعاد رئيس التقدمي الاشتراكي تأكيد دعمه للرئيس المكلف تشكيل الحكومة والبقاء بجانبه في ما بعد، وبدا ان القاطرة شرعت في العودة الى السكة، وان الحريري صار اكثر قدرة على العودة الى عملية التأليف تمهيدا لطرح تشكيلة على الرئيس ميشال سليمان. وعادت العقدة العونية واساسها محاولة اعادة توزير وزير الاتصالات الحالي جبران باسيل الراسب في الانتخابات بما يفتح الباب ايضا لتوزير آخرين رسبوا، فضلا عن المواجهة الصامتة بين عون ورئيس الجمهورية ميشال سليمان والمتمثلة برفض الاول منح الثاني حقائب في الحكومة، ومحاولته انتزاع حقيبة الداخلية من حصة سليمان.
المهم ان الحرارة عادت تدب في عملية تأليف الحكومة، وتحسن وضع الرئيس المكلف لمتابعة مهمته. ولكن كل هذا لا يغني عن ضرورة متابعة الحوار بين الحريري وجنبلاط لإعادة تمتين تحالفهما الذي تضرر، على ان يشمل الحوار في ما بعد مختلف قوى 14 آذار من اجل انقاذ التيار الاستقلالي الذي جسّد تحالف قواه الحزبية والمستقلة اوسع قاعدة شعبية في تاريخ لبنان على قاعدة عابرة للطوائف والاحزاب.
ان جمهور التيار الاستقلالي في امس الحاجة الى جرعة ايجابية تأتي من القيادات. ومهما فرضت الظروف والمعادلات والمتغيرات من مواقف فإنها تظل دون عمق الفكرة الاستقلالية الاصيلة التي رواها قادة كبار بدمائهم، وزرعها ملايين اللبنانيين في الداخل والخارج بصمودهم، وصلابتهم، وايمانهم بلبنان الحرية والسيادة والاستقلال ومشروع الدولة. اما المعادلة الراهنة القائمة على التخويف فيصعب ان تدوم طويلا على هذا النحو.
…وفي الانتظار لا بد للرئيس الحريري من ان يعجّل في طرح اول تشكيلة على الرئيس ميشال سليمان لئلا يدوم "تصريف الاعمال" طويلا…