الفصل الغامض
كل ما شهدته عملية تشكيل الحكومة الاولى لسعد الحريري حتى الآن لا يزال ضمن النطاق المألوف، وضمن الاطار الطبيعي، أو "المطهر" الذي طالما مرَّت به حكومات كثيرة قبل ان تكمل صياغتها، وقبل ان تكتمل أفراحها وتبلغ ساحة النجمة، وقبل ان تتربَّع في سرايا الحكم.
والعودة بالذاكرة الى ماضي الأيَّام اللبنانيّة، حتى في زمن عزٍّ الازدهار وعزّ الديموقراطية، من شأنها طمأنة "القلقين"، واولئك الذين يتوقَّعون من الرئيس المكلَّف أن يستسلم لشروطهم التعجيزيَّة، وأَن يرفع يديه بالعشرة أمام مطالبهم التي لا تختلف في جزء منها عن طالبي لبن العصفور.
إلاّ أن ذلك، بدوره، ليس جديداً على عمليّات تشكيل الحكومات. فكم سمعناهم يطلبون المستحيل ليحصلوا على الممكن، وليضحكوا في أعبابهم فرحين بما حمله اليهم بابا نويل الحكومة.
وهذا بدوره يبقى في محيط تحصيل الحاصل.
حتى الهزَّة التي أحدثتها مفاجأة النائب وليد جنبلاط، ليس من الضروري اعتبارها سابقة فريدة، وإن تكن قد أكدت أن في السياسة مصالح دائمة وصداقات عابرة.
فالحياة السياسيّة في لبنان عامرة بالاحداث والحكايات التي يمكن اعتبار بعضها من عجائب الدنيا وغرائبها.
وليس على صعيد تشكيل الحكومات فحسب، بل في ما يتعدَّى ذلك الى استحقاقات رئاسة الجمهورية.
فكم من مرشحين ناموا رؤساء ليجدوا أنفسهم مع طلوع الضوء في عداد المهنّئين.
وكم من مكلَّف تأليف حكومة جديدة فوجئ بحلفاء له قد انتقلوا الى الضفة الأخرى، من غير أن يؤدي "انتقالهم" الى ضرب المندل وضرب الطاولة وضرب الكف بالكف.
هذه الأُمور المألوفة يمكن ذكر العشرات منها وذكر عشرات الأمثلة والاسماء.
من هنا قول القائلين إن بعض المعارضة يقع في المحظور وفي الخطأ اذا كان ينتظر من الرئيس الحريري ان يتعب، أو أن تجعله ينثني متراجعاً انعطافة من هنا، أو مفاجأة من هناك.
سواء من حيث الصيغة والاطار العام، أم من حيث الاسماء والحقائب، أم من حيث البعد الرابع الذي يتمثَّل بالوكيل الجديد للشركة القديمة، والذي يتصرَّف ويتحرَّك بين القيادات والمرجعيَّات كما لو انه حامل الأختام، وحامل كلمة السر، وحامل حقيبة الاسماء والحقائب.
في نهاية المطاف لا يصحُّ إلا الصحيح.
حتى عندما يظنُّ هذا الفريق المعارض أو ذاك ان "إحالة" ملف التعقيد والعرقلة، فوق لائحة المطالب التي تهون ازاءها مهمة تسلُّق قمة إيفرست، على الجنرال ميشال عون تمكّنه من غسل يديه، والقول بالصوت الملآن إن الكرة ليست في ملعبه.
وليس عنده سوى الاستعداد لبذل كل جهد لتذليل كل ما يؤخٍّر انجاز التشكيلة الحكوميَّة.
مما يعيدنا الى المثل المصري القائل: اسمع كلامك يعجبني أشوف أمورك استعجب.
على أنَّ الرئيس المكلَّف لن يتردَّد في بذل كل مساعيه، وبرغبة صادقة في التعاون، في سبيل حكومة قادرة على العمل، ويجد اللبنانيون في صورتها التذكارية صورة الأمل في لبنان أفضل.
مع أنَّ ما يظهر في الصورة ليس كل الصورة، ولا كل المشهد، ولا كل الرواية. فهناك الفصل الذي لا يزال غامضاً بالنسبة الى الاتصالات السعودية – السورية، واين هي الآن…