#dfp #adsense

فؤاد بطرس رجل دولة بل دولة في رجل

حجم الخط

فؤاد بطرس رجل دولة بل دولة في رجل

كما يبدو مستحيلاً اختصار تاريخ في سطور، هو نادر أيضاً ان تجتمع معظم التواريخ في رجل، حيث قلّ الرجال وبهتت محطات كانت لامعة في مسيرة شعب ووطن. وإذ ذاك استراحت الأحداث على كتفي مارد تنتظر من يدفعها من جديد، لتحقق الأمل المنشود.
احد الرجالات القلائل ذاك الذي تتكئ عليه ابرز حقبة من تاريخ لبنان الحديث، انه فؤاد بطرس الهادئ المتوثب، والمعلّم المتوقد، والسياسي الذي أحنت له الديبلوماسية قبعة التقدير إجلالاً لعطاءاته وبراعته، فكادت لا تذكر وزارة الخارجية في لبنان من دون ان يتذكر المرء رائدها الفذ ومهندسها اللامع فؤاد بطرس.

أما اليوم فأقف في حضرتك، مستعيدا بعض المحطات الحافلة التي واكبتُها شخصيا، من ذلك التاريخ المجيد، وبعض الصفحات الملأى بأحداث كنتَ فيها اللاعب الأبرز، الظاهر حينا وفي الكواليس معظم الأحيان.
استذكرك منذ البدايات اللافتة في العهد الشهابي، رجل دولة عنيدا ووزيرا ناجحا ما زالت وزارة الخارجية الى اليوم تشهد على بصماتك التي لا تمّحي، ونائبا عن بيروت عزّت الحقبات عن أمثاله. وما يستوقفني ايضا انسجامك الدائم واللصيق مع البيئة السياسية التي كنتُ انا والعائلة فيها. فكنتَ راعيا لحركة الرئيس الشهيد بشير الجميل ومعلّقا عليه الكثير من الآمال.

واستذكرك في الدور الخفي، ولكن الفاعل والفاصل، الذي لعبتَه في انتخابات مجلس بلدية بيروت في العام 1998، حيث سعيتَ لاختيار التمثيل الصحيح والدقيق للعائلات السياسية والطائفية في الجانب المسيحي من العاصمة، متجاوزا بحكمتك وتصميمك كل العقبات التي كانت قائمة يومها، ومنها تمثيل "القوات اللبنانية" التي كان قائدها الدكتور سمير جعجع في السجن. فأصررت على تمثيل من يجب ان يتمثل بكل دقة، وجاراك في ذلك الرئيس الشهيد رفيق الحريري رغم الضغوط التي كانت تمارس عليه من سلطة الوصاية يومها لعدم التزام بعض الأسماء المطروحة. وقد كان ثابتا انك هدفت من خلال ذلك الى ترجمة تمثيل الرأي العام تمثيلا صحيحا في المجالس والقطاعات وسواها من جهة، والابقاء على الحضور المسيحي الحر المتجسد بـ"القوات اللبنانية"، حيا من جهة ثانية، في مقاومة من نوع آخر لنظام الاستبداد الذي كان قائما في تلك الحقبة المظلمة من تاريخ لبنان.

ومن موقعي ذاك في مجلس بلدية بيروت ساهمتُ في إطلاق اسم الوزير فؤاد بطرس على الشارع الرئيسي في الاشرفية الذي تم الاحتفال بتسميته الأسبوع الماضي، وبالتالي تكريس ذلك المشروع تكريما لأحد اعمدة المدينة التي لا تموت.
اما الصفحة الابرز في المحطات التي استذكرها تلك، فتمثلت بدورك "الابوي" المحفّز دائما والباعث ابدا على الامل في فترة اعتقال الدكتور سمير جعجع، وهو الدور الذي قلّ عارفو تفاصيله وأهميته، حيث كانت تقصدك السيدة ستريدا جعجع واهنة حينا ومحبطة حينا آخر وطالبة لقدر اكبر من العزم في كل حين، نظرا الى الظروف القاسية التي كانت سائدة في ذلك الوقت. فكنت دائما خير من يُلجأ اليه ومثال الحكمة ونبع الامل، فتخرج بعد لقائك مشحونة بالعزم من جديد، وبما يكفي لحسن التصرف واتقان السير بين نقاط سموم ذلك الزمن الرديء، فأعنتَها واعنتَ معها شعبا بحق للوصول الى بر الامان، في زمن كانت ايقاعات الثواني اثقل وقعا ومرور الساعات ابلغ معنى.

وعندما استذكر ذلك، اذكر تجارب ومراحل عشتُها وعايشتها شخصيا بحكم كوننا من منطقة واحدة وتجمعنا صداقة عائلية وروابط نضال مشترك جعلتني أتردد الى دارتك في الاشرفية، حيث كانت تكثر اللقاءات كلما ندرت المخارج وتطول المشاورات كلما ضاقت الآفاق. واكثر من ذلك ما كنتَ تبادر إليه من زيارات لمقر إقامة السيدة ستريدا يومها في يسوع الملك، في مرحلة يعلم الجميع ماذا كانت تعني وماذا كانت تتطلب مثل هذه المبادرات.

اما بعد فلن يغيب عن البال دورك الرائد والمنمّ عن الخبرة والنزاهة، في ترؤس الهيئة الوطنية لوضع تصوّر لقانون انتخاب جديد، فكانت القوات اللبنانية داعمة لتولّيك تلك المهمة ومساعدة حيث استطاعت، وكنتَ مع معاونيك في الهيئة خير من تولّى إنجاز ذلك المشروع الذي لا يزال الأفضل على هذا الصعيد، باعتراف الاقربين والابعدين.

معالي الأستاذ بطرس، ايها المعلم، قد لا تتسع الصفحات للكتابة عنك وفيك، وقد تعجز الكلمات عن إيفائك حقك يا من كانت لك كتابات خالدة، ليس فقط في السياسة بل في التاريخ ايضا، فاستحقيت الاعتراف لك بها، مع اعترافنا باننا قد نعجز امامك عن الاحاطة بكل تلك الجوانب البالغة الغنى. واذ اتمنى لك مديد العمر لتبقى كما دائما تلك المرجعية الوطنية والبيروتية الرصينة والعالمة وصاحبة الرأي السديد، يُطمئنني شعور راسخ بأن التاريخ وحده كفيل بإنصاف العظماء.

كتبت هذه المقالة بمناسبة اطلاق اسم الوزير فؤاد بطرس على احد الشوارع الرئيسية في الاشرفية، ووفاء وتقديرا له، وتسليطا للضوء على محطات مفصلية من مسيرة مرجعية وطنية قل نظيرها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل