#adsense

التفلّت… من الدستور!

حجم الخط

التفلّت… من الدستور!

ساد في السنوات الأربع الماضية مفهوم قانوني أممي "عاد" اللبنانيون الى "اكتشافه" بعد عقود طويلة من شريعة الغاب التي تحكمت بمصيرهم، وهو المفهوم المرافق لإنشاء المحكمة الدولية كأداة لوقف "التفلت من العدالة". وبدا هذا التعبير الحضاري عن الردع الشرعي "الوافد" على الادبيات اللبنانية بمثابة اختراق معنوي غير مسبوق، نظرا الى التعاسة الهائلة التي تعتري هذه الادبيات في بيئة قمعت بشدة في حقبة الحروب ومن بعدها في حقبة الاغتيالات، حتى غدا اللبنانيون الممتهنون بأقل حقوقهم البديهية مطبعين قسرا مع كل تفلت على القوانين بفعل اندثار الحدود الدنيا لهيكلية "الدولة الحامية" والحضن الشرعي الدافئ لمجموع المواطنين.

مفاد هذه الحقيقة التي لا تقبل النقض، ان الانماط السياسية لا تختلف عن الانماط الامنية في تكوين السلطة والمفاهيم العامة، الامر الذي يقود الى خشية كبيرة متعاظمة راهنا من تطبيع اللبنانيين على مفهوم "التفلت من الدستور".

ففي العملية القيصرية الجارية لاستيلاد حكومة "الائتلاف"، وهي التسمية الجديدة الاكثر واقعية من "حكومة الوحدة الوطنية" الأشبه بأكذوبة لا يصدقها حتى مطلقوها، محظوران هائلان اساسيان من شأنهما دفع النمط المنهجي للانزلاق عن الدستور الى متاهة جديدة.
المحظور الاول هو في تكريس انطباع "سلبي" عن مسألة التصويت في مجلس الوزراء في البنود الـ14 التي يلحظها الدستور حيال مسائل كبيرة ومصيرية، والاستعاضة عنه بالتوافق المسبق وإقرانه بشرط الاجماع.
والمحظور الثاني هو تحويل القوى السياسية والحزبية شريكا عضويا كامل القدرة والسطوة في تشكيل الحكومة عبر التسليم لها بـ"حق" رديف في اختيار الحقائب وتسمية الوزراء.

واخطر ما في المحظور الاول انه يجد من المبررات الواقعية ما قد يدفع بالمسلمين به لاحقا الى التفاوض على نقطة تصعيدية جديدة، هي ان يجري اثبات "التفاهم" على عدم اللجوء الى التصويت في متن البيان الوزاري فيصبح هذا النمط العرفي بمثابة التزام مكتوب تستحيل بعده العودة عنه. وفي حال طرأت امور مستعصية على التوافق، لن يكون حتى في مقدور رئيس الجمهورية طرح اي قضية على التصويت لان المناخ المكرس في التسوية سيفضي الى اعتبار التصويت "اعتداء" او "خرقا" لمعاهدة شفوية – مكتوبة، تمكن الطرف المتضرر من التعطيل والخروج على التسوية والدستور وكل شيء آخر.

اما المحظور الثاني فهو ينافس شقيقه التوأم في الاعتداء الموصوف جهرا وضمنا على بقايا باقية من مهابة الدستور وديمومته وهالته المنتهكة بألف نمط ونمط، اذ ان الغطرسة المتفجرة على اوسع نطاق لمختلف القوى السياسية والتسليم المفجع بأن "ضرورات الواقع" تبيح محظورات انتهاك الدستور، تجعل الحكومة الجاري استيلادها مولودا من "عشيرة آباء" لم يقصّر واحدهم في جعل نفسه الشريك المضارب للرئيس المكلف ومن ثم لرئيس الجمهورية في عملية التأليف نفسها. ويجرى راهنا على النار الخافتة المقطوعة الانفاس لهذه العملية المتعثرة والخارجة عن كل الاصول، تعميم مفهوم هجين آخر لتطبيع اللبنانيين على ان "الواقعي" القسري هو دستورهم الجديد، شاء من شاء وابى من ابى. وليست المعارك الطاحنة المتناسلة عقدة تلو اخرى، سوى تمجيد لغطرسة القوة التي تضحى معها شعارات القوى ومطالبها عنوان "شرف" غير قابل للرد والنقاش، وليس بين اللاعبين من يفتقر الى اللهو بهذا المراس. اما الدستور الغارق في غبار الانتهاك فحسبه ان يبقى "شماعة" شكلية تعلق عليه مراسم تجويف النظام وضربه، جولة حكومية اثر جولة، بدلا من الانقلاب عليه دفعة واحدة بالضربة القاضية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل