إعادة توزير وزير راسب خرق لمبدأ المحاسبة الشعبية وليست كتوزير أي راسب آخر
الحكومة ليست فندقاً بأجنحة "مكتسبة"
وفقاً للتصوّر المعتمد لدى "التيّار الوطنيّ الحرّ" تعتبر الحكومة نوعاً من فندق يمكن أن تحجز فيه غرفة أو جناحاً "على كيفك"، وبحسب تقديرك الخاص لحجمك ولدورك، وعلى قاعدة إحتساب "انتقائيّ" لنتائج الإنتخابات النيابيّة. فحيثما نال "التيّار الوطنيّ الحرّ" أصواتاً دون المقاعد يقرّر الإحتساب على أساس التصويت لا الفوز، وحيثما نال هذا التيّار مقاعد غير مدعمة بما يكفي من أصوات "صافية" له يقرّر إعتماد معيار الفوز لا التصويت.
هذه هي المشكلة العامة مع "التيّار الوطنيّ الحرّ" وليست قضية إعادة توزير جبران باسيل غير تفصيل على هذه القضية. فالمشكلة تتجاوز "شرعيّة" أو "عدم شرعيّة" توزير راسب في الإنتخابات، وبمعنى أدق توزير وزير راسب في الإنتخابات، أي راسب على أساس سجّله في الوزارة، وهي زاوية تصحّ تحديداً في حالة الوزير باسيل كونه اتخذ من عمله في الوزارة مادة لحملته الترويجيّة مستفيداً من تقنيّات عالم الإتصالات السلكية واللاسلكية. والحال أن إعادة توزير وزير راسب يعد خرقاً لمبدأ المحاسبة الشعبية. ليست كتوزير أي راسب آخر.
المشكلة تتعلّق إذاً بهذا التصوّر المغلوط لـ"الديموقراطيّة التوافقيّة" التي يمكن على أساسها أن "تفرض" المعارضة ليس فقط "الرقم الإجمالي" لعديدها داخل مجلس الوزراء، وإنّما أيضاً خارطة توزيعهم الطائفيّ والمناطقيّ والحقائبيّ، لتترك بعد ذلك هذه المعارضة للطرف الفائز في الإنتخابات، أي لـ"الأكثرية البرلمانيّة" بقيادة "قوى 14 آذار"، ما بقيَ من مقاعد وزاريّة وحقائب. عند هذه العتبة يفتقد الفارق بين منطق "السبي" ومنطق "التوافق".
فأدنى شروط سريان منطق "التوافق" عند التشكيل الحكوميّ، وخصوصاً بعد إقرار الصيغة الملكة 15ـ10ـ5، هو أنّ الرئيس المكلّف هو الناهض بعمليّة التشكيل، وبمشاركة رئيس الجمهوريّة، ومن دون "إملاءات ملزمة".
والمعيار المفترض إعتماده للتشكيل ليس الحجم "التمثيليّ" داخل مجلس النوّاب وحده لهذه الكتلة أو تلك، وإنّما قدرة اللفيف المختار من بين مرشّحي هذه الكتل لتولي المناصب الوزاريّة على التجانس والعمل المشترك، خصوصاً وأنّ السلطة التي ينوون الدخول إليها هي سلطة تنفيذيّة، إجرائيّة، والتنفيذ يحتاج في المقام الأوّل إلى حدّ أدنى من التجانس.
أمام هذا المنطق تكتفي "ثقافة 8 آذار" في العادة بإبراز "الخصوصية اللبنانية" التي لا تؤمن بها على غير صعيد. تقول "8 آذار" إن من خصوصيّة البلد أن لا يكون مجلس الوزراء "تنفيذيّاً" فقط، وإنّما "تمثيليّاً" أيضاً، بحيث تأتي كل كتلة بمن تشاء من وزراء وتغدق عليهم ما تريد من حقائب، ولو ضمن إطار صيغة 15ـ10ـ5.
لكنّ خصوصية لبنان هي التي تعاكس تماماً هذا المنطق. ففي الديموقراطية الطائفية، ينبغي مراعاة التوزيع الوزاريّ بحسب الطوائف، وأيضاً بحسب المناطق، زد على عملية توزيع الحقائب. لا يعقل بالتالي أن "يصرف" كل طرف حصّته الوزاريّة الإفتراضيّة على هواه، ويُشكَّل هذا العدد طائفياً ومناطقيّاً و"حقائبياً" بالأسلوب الذي يشتهيه هو.
ليس هناك بطبيعة الحال ما يحول "قانونيّاً" دون توزير وزير راسب في الإنتخابات النيابيّة الأخيرة. إنّما ليس هناك أبداً ما يوجب توزيره. والمشكلة أنّ الشخص المعنيّ، كما عمّه، كما تيّاره، يعتبرون أنّ مثل هذا التوزير، وبالحقيبة إيّاها، هو "حقّ مكتسب"، حقّ منحه الناخبون لـ"التيّار الوطنيّ الحرّ" في المناطق التي فاز بها، فجيّرها إلى مرشّحه الخاسر في المنطقة التي لم يفز بها، وبالتحديد في المنطقة التي كان فيها رجحان الكفّة بين "8 آذار" و"14 آذار" ضمن الخارطة المسيحيّة على جانب كبير "من الصفاء المارونيّ" بحيث يجوز إتخاذها معياراً لشعبية تتراجع وشعبية تتقدّم.
والمشكلة ليست أبداً في فكرة "الديموقراطية التوافقية"، وإنّما في "ديموقراطية الحقوق المكتسبة" عند 8 آذار. أخذت هذه القوى وقتاً طويلاً قبل أن تعدل عن "حقّها المكتسب" بـ"الثلث المعطّل"، واليوم يعطّل "التيار العونيّ" تشكيل الحكومة لأنّه يتمسّك بـ"حقه المكتسب" بـ"توزير باسيل". الديموقراطية التوافقية عند 8 آذار تختصر بمعادلة: ما لنا "حقوق مكتسبة" وما لكم "توافق على ما يتبقّى".
لكن المفارقة المضحكة المبكية أنّ يحدث كلّ هذا بعد نحو شهرين فقط على إنتصار 7 حزيران الإنتخابيّ. وهذه المفارقة هي دائماً برسم "قوى 14 آذار" والأكثريّة البرلمانيّة، وتستحق وقفة مطوّلة، وجردة أطول، وإستشعاراً بالحاجة إلى ذهنية جديدة للعمل.