في ذكرى حرب تموز 2006
التحولات التي طرأت اخيرا على تموضع بعض القوى السياسية، ولأسباب شتى ليس هنا مجال العودة اليها، لا تلغي حقيقة ان حرب تموز 2006 جاءت في جانب اساسي منها في سياق تورط "حزب الله" في حرب ضد اسرائيل نيابة عن جمهورية ايران الاسلامية. كما ان التحولات المشار اليها لا تلغي، ولا حتى تقلل خطورة الاشكالية التي تطرحها مسألة امتلاك الحزب سلاحا من خارج الدولة يؤدي وظيفتين، الاولى قاعدة متقدمة في اطار المشروع الامبراطوري الايراني في المنطقة العربية، والثانية وسيلة لتحقيق مزيد من التوسع على حساب مشروع الدولة اللبنانية، اما لتطويقه واما لاستكمال السيطرة عليه. وفي كلتا الحالتين يبقى مشروع "حزب الله" الذي يخيف قوى سياسية وطائفية في لبنان، مثيرا للازمات ومولّدا لها باستمرار، حتى وان انضمت كل قوى 14 آذار الى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في تموضعه الجديد المعروفة اسبابه الموضوعية.
وفي ذكرى حرب تموز 2006 التي امعنت فيها الآلة العسكرية الاسرائيلية تدميرا وتقتيلا، لا يمكن التغافل على مسؤولية "حزب الله" الذي كان يتبلّغ طوال شهر حزيران ومطلع تموز 2006 تحذيرات من كبرى العواصم الاوروبية بأن اي عملية يقوم بها ستكون بمثابة الشرارة التي ستتفجّر حربا اسرائيلية شاملة. وكان ما كان في 12 تموز واشتعلت الحرب بأجساد اللبنانيين العارية، وانتهت بمقتل 1300 مواطن نيابة عن الآخرين.
في ذكرى حرب تموز 2006 يهمنا ان نذكّر بأن اللبنانيين جميعا دفعوا ثمنا باهظا لها. وفي النهاية انطلقت عملية التوجه نحو الداخل لقلب الموازين الحساسة والدقيقة، وانتهت الامور بغزوات 7 ايار. وفي كل هذه المرحلة، وحتى في المراحل التي شهدت انفراجات سياسية داخلية لم يبادر الطرف المتورط في الحرب الى اجراء مراجعة نقدية علنية امام اللبنانيين تطمئنهم الى انه لن يقدم على تكرار التجربة نفسها في المستقبل.
وإذا كانت طبول الحرب الاقليمية تقرع في كل مكان، ولا سيما في الضاحية الجنوبية لبيروت وفي اسرائيل، فإن كل التطورات التي شهدها لبنان لم تؤد الى ضبط قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية، انما افضت الخريطة السياسية الجديدة بعد افراغ الانتصار الانتخابي الكبير للتيار الاستقلالي، الى ترسيخ مشروع الدويلة على حساب مشروع الدولة وبقيت مشكلة اللبنانيين مع المستقبل غير الآمن، كاملة. وبقي الشريك المقلق على الدوام على حاله. والحال هنا ان الاذعان لموازين القوى الواقعية قد يزيد الطرف المنفلت من عقاله تهورا تنفيذا لوظائفه الاقليمية والمحلية، وقد يعجل في سقوط مشروع الدولة في لبنان في شكل نهائي لا رجعة عنه.
في ذكرى حرب تموز 2006، نكتشف ان هناك لبنانين متناقضين، ونكتشف ان الخوف من الشريك هو محرك السياسة الداخلية في لبنان. من هنا استحالة ان تكون المصالحات حقيقية ما دام في لبنان فريق يضع المسدس على الطاولة ويقول تعالوا نتحاور ونتصالح!
والرجاء كل الرجاء ألا يقع لبنان مرة فريسة الوظائف الاقليمية المتزاحمة على جسده، فينتهي الامر بحرب شاملة ونكبة لبنانية جامعة، وان سماها البعض "انتصارا"!