الحقيقــــة أبعــــد
ذات يوم لبناني كئيب، وجد الشيخ عبدالله القصيمي نفسه يطلق العنان لغضب انتابه فجأة اثر اضطرابات شوارعية، ويصرخ في قبائل هذا البلد معاتبا، مؤنبا، متسائلا بوجل: عيناك كيف لا تنفجران؟
لم اعرف الشيخ المرهف المشاعر بمثل هذا الغيظ، بمثل هذا الحزن، بمثل هذا الوجل، منذ حلوله في بيروت ضيفا عابرا للقارات لم يلبث ان تحول عاشقا متولها، لا يريد اكثر من كرسي في مقهى رصيف.
وهو البدوي الانيق النفس، الانيق القلب، الانيق الكلمة الذي اختار له قدره ان يلقي بغربته في مدينة جمّلت الحياة عنده.
فاجأنا جميعنا، نحن الاصدقاء القلة الذين أنِس اليهم ليحدثهم عن بلد اصطفاه، ولكنه أجفله وخشي عليه عندما تعرّف الى "كنز" التناقضات التي تحاصره، والامراض المستعصية تتهدده وتتهدد الحرية المختبئة، او اللاجئة الى هذه الجزيرة – الحلم.
وحين اتى فجر الرحيل أبت عيناه الا ان تودعا المدينة التي سكنته، فسكبتا لها دمعتين خفورتين، كوديعة من عاشق مرغم على الانصراف…
نحن الذين نعايش هذه التراجيديا التي ازاحت التراجيديا الاغريقية لتحل محلها في كتب الاخبار وحكايات الصغار، كيف يمكن اعيننا مقاومة انفجار لا بد منه؟
وكيف يستطيع اولئك الذين نذروا حياتهم واحلامهم وكلماتهم لهذا البلد الرسالة، النموذج، اليتيم، المنهك، الممزق، ان يكتموا غضبا يغلي في قلوبهم، وان يظلوا قامعين نقمتهم، وهم يرون لبنانهم ينتقل من حروب الآخرين الى حرب اهلية، ومن مشروع الغاء الدولة والنظام الى مشروع فتنة طائفية مذهبية، الى مشروع تفتيت لميثاق الرياء والتكاذب الذي يظلل هذه القبائل الدائمة التناحر والانتحار؟
كيف نكتب كل هذا الفيض من التحاليل والمناجاة والمناداة، ونسكت عن هذا الدجل، عن هذه الزعبرة، عن هذه المأساة، عن هذه المهزلة، عن هذه الشعوب تنتمي بغرائزها وعواطفها الى بلدان وشعوب اخرى، فيما ترفض ان تمنح هذه الجزيرة التي عشقها ذلك الشيخ الابي كسرة من خبز انتمائها.
او اي مقدار من ولائها ولو بحجم حبة خردل.
عند كل استحقاق، عند كل انتخابات نيابية او رئاسية، عند تشكيل حكومة جديدة، عند تعيين موظف من الفئة الاولى او الخامسة، يضع اللبنانيون ايديهم على قلوبهم.
ويستيقظ البلد على مشروع ازمة تصبّ تداعياتها وانعكاساتها حالا وسريعا في معجن الاستقرار، وفي خوابي الصيغة والدستور واتفاق الطائف الذي انفك من حوله المتفقون، ليصوغ كل منهم دستوره وطائفه.
بعد كل حرب نقول هذه آخر حرب. بعد كل زلزال سياسي او طائفي نقول هذا آخر زلزال. بعد كل ازمة رئاسية او حكومية نقول هذه آخر ازمة.
ولكن لا نلبث ان نكتشف اننا كنا مخطئين ومتسرعين في تبادل التهاني.
فالقبائل اللبنانية لا تزال على عاداتها، وعلى عدائياتها بعضها ضد البعض، وعلى "مشاريعها" التي لم يتغير حرف فيها، منذ فتنة 1840 التي تتجدد كل عقد او عقد ونصف عقد.
وبحلة اكثر شراسة وضراوة.
وبعدائية يرتجف من هولها الفولاذ.
منذ سبعة اسابيع والبلد واقف على رجل واحدة، في انتظار تذليل العقد التي تتناسل كالارانب، والتي ما ان تتم معالجة واحدة منها حتى تفرّخ دزينة.
واحد يريد نصف الحكومة. آخر لا يرضى الا بالحقائب السيادية. ثالث، رابع، عاشر…
والحقيقة ابعد من كل هذه الترهات، ومن كل هذه الاراجيف.
وليست في حاجة الى من يدل الناس عليها، وعلى مصدرها، وعلى دوافعها.
اين يا اطلال صوت الغاضب؟
اين عبدالله القصيمي يصرخ مؤنبا: عيناك كيف لا تنفجران؟