#adsense

تحوُّل كل مذهب إلى حزب واحد يفتح الباب للأزمات

حجم الخط

لبنان يعيش وضعاً شاذاً بلا دستور ولا نظام سياسي
تحوُّل كل مذهب إلى حزب واحد يفتح الباب للأزمات

ما أعلنه الرئيس أمين الجميل في مؤتمره الصحافي الاخير يستحق التوقف عنده لان لبنان في الواقع يعيش منذ سنوات وسط وضع شاذ وفي ازمة نظام فلا دستور اتفاق الطائف يطبق بل يطبق اتفاق آخر هو اتفاق الدوحة ولا النظام الديموقراطي الذي كان لبنان يتميز بتطبيقه خلافا لما هو سائد في عدد من الدول العربية بل يطبق نظام آخر سمي "النظام التوافقي" ولا نتائج الانتخابات يؤخذ بها بحيث تحكم الاكثرية وتعارض الاقلية، بل تحكم المذاهب والطوائف وتدخل في صراعات حول المناصب والمكاسب. فكيف يمكن ان تقوم دولة قوية قادرة ان تحمي الجميع ولا تتولى كل طائفة حماية نفسها بحيث تصبح الدولة دويلات كما كانت من قبل، ويصير مطلوبا من كل طائفة ان تتسلح لتحمي نفسها عندما تشعر ان لا وجود للدولة القادرة على حمايتها، وكيف يمكن دولة ان تستمر بدون دستور وقوانين وبدون نظام يحكم مسارها؟

لقد اعتمد لبنان ميثاق 43 سبيلا للعيش المشترك والشراكة الوطنية ودستور 1927 اساسا للحكم، فكان رئيس الجمهورية هو الذي يشكل الحكومات وهو الذي يقيلها وهو الذي يحل مجلس النواب، وكان زعماء مسيحيون يعارضون تعديل ذاك الدستور ويعتبرونه مقدسا لا يمس، الى ان انتهت الحروب الداخلية في لبنان بتعديله في لقاءات الطائف بحيث اصبح تشكيل الحكومة منوطا بالاتفاق بين رئيس الحكومة المكلف ورئيس الجمهورية بعد استشارات ملزمة بنتائجها يجريها رئيس الجمهورية لتسمية رئيس الحكومة، ولم يعد له حق دعوة مجلس الوزراء للانعقاد الا بموافقة رئيس الحكومة ولا ترؤس جلسات مجلس الوزراء، الا اذا حضر، مع حرمانه حق التصويت ولا اقالة الحكومة او الوزراء، منفردا ولا حل مجلس النواب الا بشروط تعجيزية، وزالت الشكوى من سوء ممارسة بعض رؤساء الجمهورية صلاحياتهم بحيث لم يعد رئيس الحكومة كما كان يوصف بـ"باشكاتب" او شرابة خرج.

وبانتقال السلطة الاجرائية من رئاسة الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعا، بدأ الكلام على صلاحيات رئيس الحكومة فاعتبرها البعض تفوق صلاحيات رئيس الجمهورية او تتساوى معه حتى اذا ما اختلفا تعطل سير عمل الدولة، وتعثر احيانا تشكيل الحكومات، وعاد هذا البعض يطالب بتعديل جديد للدستور يحقق توازنا افضل بين السلطات الثلاث، وهو تعديل قد يثير خلافات بفعل النزاع على الصلاحيات بين هذه السلطات، قد لا تحسم الا بحروب جديدة لا سمح الله.

لكن دستور الطائف نظم الحياة السياسية في لبنان لسنوات كما نظمها الدستور القديم وكانت المؤسسات هي التي تحسم الخلافات وليس الشارع وكانت نتائج الانتخابات حتى السبعينات هي التي تجعل الاكثرية تحكم والاقلية تعارض فكان ذلك سببا لتنافس شديد بين اللوائح في كل انتخاب لان من يفوز بالاكثرية تكون له رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة واكثرية الوزراء اذا لم يكن بكل الوزراء ورئاسة المجلس. وكانت المعارضة تحاسب وتراقب وتجعل الشعب احيانا يلتف حولها ويعطيها اصواته في الانتخابات اللاحقة فيتحقق بذلك تداول السلطة بصورة دستورية وديموقراطية، وعندما حل اتفاق الدوحة الموقت محل دستور الطائف ولم يعد يؤخذ بنتائج الانتخابات بحيث تحكم الاكثرية والاقلية تعارض بل يؤخذ بغير ما نص عليه الدستور وبغير ما نص عليه النظام الديموقراطي، وذلك باسم نظام التوافق غير المكتوب وباسم الشراكة الوطنية التي تفرض تمثيل التيارات والاحزاب السياسية على اختلاف مذاهبها انما تفرض تمثيل كل مذهب بزعمائه الحصريين، وهذا يطرح وضعا جديدا لكل مذهب، هل ينبغي ان يكون كل مذهب حزبا واحدا وتزول فيه التعددية؟

الواقع ان زوال التعددية داخل كل مذهب هو الذي ادى ويؤدي الى عرقلة تشكيل الحكومات اذ في استطاعة المذهب الذي يتحول الى حزب واحد او زعامة حصرية ان يفرض رأيه وشروطه على المذاهب الاخرى التي لا تزال فيها التعددية قائمة. فمذهب الحزب الواحد او حصرية تمثيله بزعماء محددين يفرض تشكيل حكومات وحدة وطنية وان لم يكن بين معظم اعضائها اي وحدة، ولا يعود في الامكان تشكيل حكومة من الاكثرية فقط، لان مذهب الحزب الواحد او التمثيل الحصري يحول دون تشكيلها ما لم تتمثل فيها كل المذاهب حتى ولو كان بعضها من الاقلية النيابية التي عليها ان تعارض لا ان تشارك في اي حكومة باسم الوحدة الوطنية او الشراكة الوطنية.

لذلك ينبغي الاتفاق على اي نظام جديد يريده اللبنانيون هل هو نظام جمهوري برلماني ديموقراطي، هل هو نظام شمولي، هل هو نظام رئاسي او نصف رئاسي، هل هو نظام مجلسي، هل هو نظام "الترويكا" او "الدويكا" واذا كان كل مذهب من المذاهب تحول الى حزب واحد او حصر تمثيله بزعماء محددين، فان هذا ينبغي ان يسري على كل المذاهب كي تتساوى في الوزن، واذا اعتمدت التعددية داخل مذهب او اكثر فينبغي ان تعتمد في كل المذاهب كي يصير في الامكان تشكيل الحكومات بسهولة والعودة الى تطبيق النظام الديموقراطي، واذا صار اتفاق على ان يكون السلاح في يد الدولة وحدها فينبغي ان لا يبقى سلاح خارج شرعيتها والا صار من حق كل طائفة ان تتسلح في اطار "فيديرالية الطوائف" تحقيقا للتوازن الداخلي لان لبنان لن يعيش بلا دستور ولا نظام.

المصدر:
النهار

خبر عاجل