تجربة "حزب الله"؟!
لولا أنّ الكلام منسوب إلى نائب أمين عام حزب الله نعيم قاسم، لظننتُ أنّ المنعوت بكلّ هذه الصفات، "نبيّ من أنبياء الله المرسلين الصالحين" لا حزب سياسي يمتلك "جبخانة" صواريخ، وغامر عام 2006 بخطف جنديين إسرائيليين وقتل ثمانية، مكتفياً يومها بنصيحة رئيس وزراء أخرق وأبله وفاسد بعدم تجريب "حزب الله"، ونظّر نوابّه على شاشات التلفزة ب-"اعتدادهم" المنفّر طوال ليلة القصف الأولى: بأن الحرب لن تقع وما تقوم به إسرائيل من تدمير للأوتوسترادات والجسور، ليس أكثر "من فشّة خلق" ويرسمون على وجوههم تلك الابتسامة الباردة، لم يصدّقوا أنها الحرب، حتى أدرك الخراب مربع حزب الله الأمني في الضاحية وحوّله إلى كومة ركام.. وعمّ الخراب لبنان..
وفي أيلول العام 2006 ومن على تلال الخراب قيل لنا أن النصر كان إلهياً إلى حدّ دفع الرئيس السوري إلى إلقاء خطاب الانتصار مسابقاً أمين عام حزب الله باستثمار دماء اللبنانيين وخراب وطنهم، متهماً أكثر من نصف اللبنانيين وفريق 14 آذار الذي دفع كوكبة من خيرة شبابه بأنه منتج إسرائيلي، فيما أستمطرت شآبيب النصر الذي بشّرها بقرب وضع يدها على العالم العربي، إلى أن صدر التهديد في خطاب النصر الإلهي للبنانيين وحكومتهم المقاومة، فأدركوا أن الثمن الذي سيدفعه لبنان أكبر وأكثر بكثير من الأرواح، ومن خسائر قدرت بالمليارات تكبدها لبنان في حرب تموز، فنصبت خيام التعطيل وحوصر السراي وكاد يُهاجم لولا أن جاء الخط الأحمر وكشّرت الفتنة عن أنيابها فسقطت الأقنعة وشاهت الوجوه!!
طبعاً هذه "التداعيات"، لا نريدها هاجساً ولا غصّة عالقة في الحلوق، بل مجرد "صفحة" من صفحات الأمس القريب، التي نكأ جروحها وقروحها – المختومة على "تقيّح" – كلام نائب أمين عام حزب الله بالأمس الذي أطلق نعوتاً وأوصافاً، ظننتُ معها أنه يتحدث عن الله لا عن حزبه.. "تواضعوا قليلاً يا جماعة" فالتواضع صفة المؤمنين، وليس الادّعاء أبداً، والحقيقة والحقّ واضحة وضوح الشمس، وهنيئاً لمن "يبوس إيد حالو"، ويربّح اللبنانيين جميلة..
بالأمس رأى نائب أمين عام "حزب الله" أن تجربة "حزب الله" في لبنان أعطت عنواناً مشرقاً، محبوباً، متآلفاً مع الناس، يمد اليد إلى الجميع، ولا يميز بين السنة والشيعة، بل بين جميع المواطنين على قاعدة أن المطلوب أن نعيش معا من دون أن يستفز أحدنا الآخر". طبعاً لم نشاهد مدّ اليد منذ العام 2006، بل سمعنا تهديدات متكررة بقطع الأيدي..
وهذا الكلام الذي يمدح حزب به نفسه، يحتاج إلى مناقشة لبنانية صادقة، وربما على الحزب أن يطرح على نفسه السؤال بـ"صدق" و"تجرّد" كبيرين: هل الحزب "محبوب"، هذا إذا كان يستحسن طرح الأسئلة الصادقة والإجابات الصادقة، أم يفضل دعاية النفاق والمنافقين والمزايدين عليه حتى تغدو المزايدة أشبه بنكتة، بالتأكيد الإجابة الأولى والتي لا لبس ولا اختلاف عليها أن الحزب محبوب من جمهوره، ولكن هل يستطيع الحزب أن يقدّم نفسه تحت هذه العناوين المشرقة؟؟
ربما لو قال الشيخ نعيم قاسم تجربة "المقاومة" لقلنا هذا كلام "حقّ وصدق" فالمقاومة كسرت شوكة عدو جبار متغطرس مجرم، أما الحديث عن تجربة "حزب الله" التي ذاق اللبنانيون مرارة تسلّطها فتحتاج إلى نقاش، مع أن فكرة النقاش نفسها مع "الحزب" غير مشجعة أبداً لأنه لا يسمع إلا صوت نفسه وهو صوت إيران، التي أفرزت ديموقراطية انتخاباتها سجوناً واعتقالات وتعذيباً وتهم التآمر والعمالة، والأحزاب على دين دولها..
قد يكون السؤال الصادق الذي لا بدّ من طرحه بعد السؤال الأول:هل الحزب فعلاً متآلف مع اللبنانيين الآخرين، إلا إذا كان مكتفياً ومصدقاً كلام "جنرال" سبق وباع دماء الضباط والجنود الذين صدّقوه، فهل فعلاً تنطبق هذه الصفة على الحزب بعدما شقّ صف الشعب اللبناني فإذا نصفه مقاوم وفيّ وأشرف الناس، ونصفه الآخر عميل ومتآمر وخائن؟ وهل فعلاً الحزب مارس سياسة عدم استفزاز الآخر، فيما ظلّ هو يهدّد وعلى مدى سنوات ثلاث بالويل والثبور وعظائم الأمور ونفّذ تهديده من دون أن يرف له جفن في 7 أيار، بل وتباهى بما فعل واصفاً إياه باليوم المجيد؟! هل فعلاً يتصرف الحزب على أنه يريد العيش مع الآخر أم أنه يريد أن يعيش الآخر تحت سطوة فكرة تفوقه بالسلاح والقوة وأن يكون راضخاً مستسلماً مسلّماً لكل ما يريد الحزب فرضه على اللبنانيين خائفاً عالقاً بين التهديد والوعيد؟
وهل فعلاً الحزب لا يميّز بين الشيعة والسُنّة؟ هل أصلاً يقبل الحزب الرأي الآخر داخل طائفته، أم يلغيه، ولا يستطيع الحزب إنكار صبغته الطائفية المذهبية لأنه يحتكر حصرية تمثيل المذهب والطائفة والخارج علن رأيه خارج عن الطائفة؟وهل تناهى إلى مسامع الحزب كلام المتضررين من حرب تموز عن تمييز الحزب بين أبناء المذهب الواحد. فمناصروه ومؤيّدوه هم الذين كانت لهم حظوة التعويضات الكبيرة وللآخرين الفتات، والبعض لم ينل الفتات حتى؟ أم هو يتحدث عن تلك التعويضات التي دفعها في بيروت لمن نفّذ هو ومن لعبوا دور أدواته الموكل إليها تمويه الصفة المذهبية عما يحدث من الاعتداء عليها وإحراقها أو تدميرها؟وهل من الضروري أن نتحدّث عن سياسة الشحن المذهبي اليومية التي كرّس لها الحزب هواء قناته لشتم الرئيس فؤاد السنيورة وهو في موقعه يمثّل طائفته، أم توكيل أدواته بالاعتداء على دارة مفتي الجمهوريّة، ولم يرف للحزب جفن وهو يتحدث عن تطهير شوارع بيروت من فلول العملاء؟!
قد نختلف في قراءتنا لحرب تموز ونتائجها، وقد نختلف على وصفها بنصر إلهي، هذا صار وراء ظهور اللبنانيين وهو جدل لا طائل منه، ولا نريد سوى مراجعة حقيقية لهذا الكلام الذي يعتقده الحزب في نفسه فلا يُقرأ بعين الأنا المفاخرة بنفسها، بل بعين اللبنانيين، نريده أن يرى نفسه وتجربته في مرآة اللبنانيين لا في مرآة ذاته وحلفائه، بل ولا نقول كذباً إذا ما قلنا أنّ رصيد شعبية الحزب تراجع كثيراً عند نصف اللبنانيين على الأقل تراجع إلى حدّ الصفر، وربما أكثر ..
ليس هناك لبناني واحد يرفض العيش المشترك والوحدة الوطنية ولا يُقدّر ويحترم تضحيات المقاومة في الجنوب اللبناني، ولكن لبنانيين كثراً لم يعودوا يأمنون جانب سلاح حزب الله ولا يثقون بالوعود التي يقطعها، وكلما ارتفعت نبرة التهديد في لغة قيادات الحزب كلما زاد ذلك كثراً من اللبنانيين نفوراً..