الأقلية تتصرف قبليا وعشائريا
من حيث المبدأ، يحق لكل كتلة نيابية اثناء البحث والتشاور في تشكيل مطلق حكومة، ان ترفع السقف الى اعلاه، عند المطالبة بعدد الحقائب ونوعيتها، كما يحق لها ان تطالب بتوزير من تشاء من قيادييها او محازبيها او اصدقائها، لان هذا الحق، هو من ضمن اللعبة الديمقراطية التي تمارسها الكتل البرلمانية من اجل تحسين ظروف تمثيلها في الحكومة، كما ونوعا، إلا ان ممارسة هذا الحق، تتوقف، ويجب ان تتوقف عند دخول تعقيدات تشكيل الحكومة في عنق الزجاجة، وتتعارض المصالح الخاصة مع المصلحة العامة، وتدخل البلاد في نفق تعطيلي، وفراغ مميت، وعندها تصبح مطالبة البعض بالاسراع في تشكيل الحكومة، دون الاخذ في الاعتبار العراقيل والعقبات التي يضعها هو وحلفاؤه في عملية التشكيل، نوعا من التذاكي والاستهتار بعقول الناس، الذين يتابعون ويلمسون الفرق الكبير بين القول والفعل، وبدلا من ممارسة السلوك الايجابي، بتسهيل مهمة الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة، وإظهار حسن النية تجاه رئيس الجمهورية الذي يحق له اخلاقيا وسياسيا ودستوريا ان يكون له رأي اساسي في اسماء الوزراء وتوزيع الحقائب، لانه هو من يوقع المراسيم، وهو المسؤول لا غيره عن نجاح عهده او عدم نجاحه، والعهود تسمى بأسماء رؤساء الجمهورية، وليس بأسماء رؤساء الوزارات او الوزراء، ولذلك ينسى الناس من تعاقب على الحكومات في عهد الرئيس بشارة خوري، او في عهود الرؤساء الذين تعاقبوا بعده، لكنهم يذكرون ان عهد الرئيس شمعون كان عهد البحبوحة، وعهد الرئيس شهاب كان عهد المؤسسات، وعهد الرئيس حلو كان عهد انفلاش الفلسطينيين، وهكذا دواليك، وعندما يندد البطريرك الماروني الكاردينال نصرالله صفير بالكثيرين الذين يتعاطون الشأن السياسي ولا يتوخون مصلحة الوطن والشعب بل مصلحتهم الخاصة، ينطلق من مبدأ الرفض والتنديد بسياسة التعطيل المدمرة والمستمرة منذ سنوات والتي لم يعرفها لبنان من قبل، على اقله بهذه الحدة والاتساع والنتائج الكارثية.
* * *
منذ شهرين، تاريخ تكليف النائب سعد الحريري بتشكيل الحكومة التي يفترض ان تعكس نتيجة الانتخابات النيابية العامة، وان تحترم ارادة الناس الذين اوصلوا الى المجلس النيابي اكثرية معينة، ينام اللبنانيون ويصحون على اخبار المطالب والشروط التي تحاول الاقلية النيابية فرضها على الاكثرية وعلى الرئيس المكلف وفي شكل مبطن على رئيس الجمهورية وانتظروا ان تتراجع هذه الشروط والمطالب التي تعكس المصلحة الخاصة لتتقدم في النهاية المصلحة الوطنية على ما عداها، وتعرف الاقلية الحدود التي رسمها الدستور لاشتراكهم في حكومة ائتلافية في حال رضيت الاكثرية بذلك، ولكن تبين بالممارسة ان هناك لغما مع كل خطوة، وهناك عقبة مع كل كوع وهناك توزيع خبيث للادوار مع كل مرحلة بحث وتفاوض، وكأن الهدف هو منع سعد الحريري من تشكيل الحكومة، ومنع العهد من البدء بتحقيق ما يصبو إليه ويخطط من اصلاحات ومشاريع، وبالتالي الوقوف مرة اخرى في وجه قيام الدولة لمصلحة الاستمرار في تنفيذ المشروع الخاص، وربما لهذه الاسباب دعا بعضهم تحت شعار تأمين الخدمات للناس، الى تعويم حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، لان لهم فيها من يساعدهم على حمل مشروعهم الخاص.
* * *
ان بعض الاحزاب والتيارات في الاقلية، يتصرف في السياسة وفي الاستحقاقات الوطنية الاساسية، تصرفا قبليا وعشائريا، وحتى تصرف الخارجين على القانون، فهم ينصرون بعضهم بعضا حتى ولو كانوا على خطأ او ضلال، وهذا ليس بتصرف عاقل، وهم يتصرفون بمنتهى الكيدية والانانية والشخصانية ويتجاوزون حدود حرياتهم حيث تبدأ حرية غيرهم، وهذا تصرف يتناقض تماما مع المواطنة الصحيحة وشرعة حقوق الانسان، ونصوص الدساتير والقوانين.
انهم يحللون لانفسهم الحق في امتلاك اي شيء يرغبون به، ويستخدمون العنف والترهيب والقوة في تنفيذ ما حللوه لانفسهم، وكأن الدنيا سائبة، والشعب قطيع، والدولة «خيال صحرا».
ان الاقلية، على مختلف احزابها وتياراتها وشخصياتها ترتكب الخطأ المميت، ان هي اعتقدت ان وحدة الارض والشعب، يمكن ان تتحقق بهذه الاساليب الجاهلية التي تتبعها منذ سنوات، او ان الصفوف المتراصة والاعلام الخفاقة وعملية غسل الادمغة، يمكن ان تغير في اقتناعات اللبنانيين الى درجة التخلي عن التراث والتاريخ واسس الدولة التي بنوها بالدماء والدموع والتضحيات وقد آن الاوان لقيادات الاقلية ان تعرف انها ليست وحدها طاهرة الذيل، وغيرها الفاسد وهي الشريفة وغيرها الزاني، وهي الوطنية وغيرها العميل، وهي المقاومة وغيرها الجبان، وهي العالمة وغيرها الجاهل، وهي القوية وغيرها الضعيف.
لتخرج الاقلية من هذا الجحر الذي سجنت ذاتها فيه، وتعيد حساباتها المبنية منذ مدة طويلة على الغلط، والتعطيل من اي جهة اتى، هو عملة غير مقبولة، والرئيس المكلف بعد شهرين على تكليفه، مدعو لمصارحة الناس بمن يعطّل ومن يعرقل، خصوصا بعد تضارب الاقاويل والشائعات لان الاعتصام بالصمت لم يعد لمصلحة البلد، والناس يريدون ان يعرفوا اين هم ذاهبون.