الموجة الثانية التمديد للفراغ !
تغلب المغالاة او المناورة على الانطباع القائل بان ثمة شبهة اقليمية في عرقلة تأليف الحكومة وتأخيرها تختبئ وراء العقد المتناسلة. والدليل الداحض لهذا الانطباع يتمثل خصوصا وتحديدا بعدم اهتزاز التوافق بين رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري والثنائي الشيعي "أمل" و"حزب الله" على الصيغة الحكومية تحت وطأة الهزة الداخلية القوية التي احدثها تحول النائب وليد جنبلاط في 2 آب. غير ان ذلك لا يقلل حجم التعقيد والتصعيد الواصل الى ذروة خطيرة في الاسبوع الثامن من التكليف، ومن الازمة المفتوحة، والذي لا يزال في جوهر خطه البياني موصولا بتداعيات التحول الجنبلاطي نفسه.
ما يجري الآن من تصعيد بين العماد ميشال عون ومعظم اطراف 14 آذار هو "اعادة تموضع" على تخوم الازمة الجنبلاطية ولو من داخل الى داخل، اي ضمن الصيغة الحكومية المسلم بها، والذهاب بالمواجهة الى حدود المشي على الحبل المشدود الذي يسترهن الولادة الحكومية. ليس خافيا ان العماد عون افاد الى الذروة من الضربة الجنبلاطية ليضع شروطه في مرتبة غير قابلة للمساومة والتراجع الى حد التلويح بالمطالبة باعادة خلط الاوراق واعادة التكليف وكما لا يخفى ان قوى 14 آذار ترد على عون بالاصالة عن خصومتها معه وبالوكالة عن احتقانها من جراء السبب الاصلي الذي مكّن عون من مضاعفة شروطه بعد الخطوة الجنبلاطية، فراحت تضرب على الخاصرة الرخوة في هذه الشروط معلية مسألة توزير جبران باسيل كنقطة حصرية مركزية في طموحات العماد عون قبل اي نقطة اخرى.
يتكئ العماد عون على موجة الارباك الهائلة التي اثارها جنبلاط داخل صفوف الغالبية للطعن في بقائها غالبية ولمحاولة تحقيق الحد الاقصى من المكاسب اسماء وحقائب ووقائع سياسية محدثة، علها تشكل الضربة القاضية لفريق 14 آذار.
وتتكئ الغالبية على لحظة حشر العماد عون في الزاوية المبدئية والسياسية معا، من خلال اظهار توزير جبران باسيل ضربا منهجيا لأبسط اصول الديموقراطية وتحكيما لشخصنة المطالب العونية ومن ثم ربطا لهذه المطالب بخلفية الاستقواء مع الحليف القوي "حزب الله" واشاعة مناخ ابعد من المناخ الداخلي في كل ما يجري. حتى ان رذاذ هذا الرد لا يوفر حشر العماد عون في زاوية "انقضاضه" على حقيبة الداخلية كاضعاف لموقع الرئاسة الاولى مع كل ما يمكن ان يثيره ذلك من خلفيات مأزومة لبنانيا ومسيحيا.
مفاد ذلك ان الصراع السياسي في اطاره العام انتقل من ضفة الى ضفة واكتسب وجوها مستبدلة وطارئة لا يمكن الاستهانة بها، حتى مع الافتراض الراجح لعدم اتصاله بنقاط تحريك اقليمية مباشرة، سورية كانت ام ايرانية ام سعودية ام حتى اميركية. فاذا كانت الصيغة الحكومية صمدت امام الموجة الجنبلاطية فان موجة المواجهة الحالية تبدو اكثر اتساعا واشد قسوة لانها اعادت تحريك القعر الصراعي العنيف على اساسات يفترض ان تقوم عليها الحكومة من بينها التسليم بتوزيع الحقائب السيادية من جهة وتوحيد المعايير في تسمية الوزراء ولو عبر قاعدة نافرة في "الواقعية" ومجافية تماما للصلاحيات الدستورية للرئيس المكلف ورئيس الجمهورية في اختيار الوزراء عبر فرض التسليم لكل فريق بتسمية وزرائه.
هذه الموجة الثانية تنذر بما هو افدح من التداعيات السياسية للتحول الجنبلاطي، اي بقلب الطاولة لدى كل فريق ودفعه الى رمي قفازات التحدي الداخلي لديه، على طاولة التشكيل المتعثر للحكومة، على ما يجري تماما من جانب العماد عون وخصومه في 14 آذار. ولذا ستتخذ المعركة على الحقائب خصوصا طابع كسر عظم لا هوادة فيه مع كل ما يمكن ان تتفتق عنه هذه المعركة من استحضار حاد لمناخات التصعيد السياسي التي لن يبقى فريق في منأى عنها. وهي موجة منذرة بخطر اطالة امد الفراغ الحكومي بين حكومة تصريف اعمال وازمة تأليف حكومة متعثرة وصعبة، وليس من فراغ الا مثيرا لكل شياطين الاحتمالات السلبية سياسيا وامنيا.
وبطبيعة الحال لا يكفي مليون وافد بين مغتربين وسياح، في شهر تموز وحده، لاعفاء لبنان من "خرزة زرقاء" تقيه اخطار شتى انواع الادمان القاتل على تفريغ الازمات والفراغات.