تاريخنــــا… وجنبــــلاط
تاريخ العرب والمسلمين كله تاريخ خلفاء وسلاطين وامراء ومستبدين: رجل واحد يحكم، وقد يتشاور مع من حوله من اقارب ومتزلفين من دون ان يكون ملزما بهذه الشورى. ولان الناس متعددة المشارب والاتجاهات فكل من كان يرى الحاكم فيه خطرا عليه وعلى سلطانه، كان يجري مضايقته، فان لم يرتدع جرى حبسه وتعذيبه، والعلاج الاخير هو التصفية الجسدية. وينطبق ذلك على الافراد والجماعات، على الفقهاء واهل الفلسفة، على الشعراء واهل الفن، فكيف بأهل السياسة واصحاب المذاهب والمعارضين! هذا اذا كان السلطان قويا ومطاعا، اما اذا ضعفت شوكته، او قلت همته، او فرغت جيبته، فالصراع حول وراثته ينشب بين الاهل والاخوة والاقارب والقادة العسكريين وشيوخ القبائل. وينتهي الامر غالبا بقتل السلطان او انقسام الدولة الى دويلات، او نشوء المذاهب السياسية والفكرية والمصالحية، وغالبا ما تتحول الى دينية: والسبب الحقيقي في الغالب هو صراع على السلطة والمال.
اما المهزومون فغالبا ما كانوا يلجأون الى الجبال والاماكن البعيدة عن مركز السلطة، او يهربون الى اطراف الدولة او الى خارجها حيث يتآمرون على السلطان والوالي، وينتظرون الفرج الآتي من خارج حدود الوطن ليستعيدوا حقوقهم المسلوبة… كما يتوهمون. فاذا وصل المظلوم، بعد طول انتظار، الى السلطة بانقلاب عسكري، او فتنة داخلية، او تدخل خارجي، فانه غالبا ما يتحول الى ظالم ومستبد، ويتصرف مع رعاياه بروح الثأر والانتقام والخوف من شعبه على سلطانه… ويترحم الناس على من سبقه.
هكذا كان حالنا وما زلنا منذ الفتنة الكبرى بين الخليفة الراشدي الرابع علي بن ابي طالب ومعاوية بن ابي سفيان، والتي نشبت بعد مقتل الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان عام 656م.
لم يكن الامر مختلفا كثيرا عند بقية الدول والامبراطوريات في تلك الازمنة، فنظام الحكم الفردي المستبد كان يسود مختلف انظمة الحكم في العالم: تارة باسم الدين، وتارة اخرى باسم العائلة والقبيلة، واحيانا للمحافظة على الدولة، وغالبا لتحقيق مصالح فئة معينة على حساب عامة الشعب.
الى ان جاءت وثيقة الماغناكارتا، اي الميثاق الاعظم، عام 1215م في انكلترا، والتي ادت الى التخفيف من سلطة الملك المطلقة لمصلحة الارستقراطية البريطانية بعد هزيمته امام الفرنسيين في تموز عام 1214م. واستمرت الدول والشعوب الغربية في تطوير انظمة حكمها باللين تارة وبالعنف تارة اخرى، الى ان اهتدت الى مفهوم الديموقراطية بدءا بالثورة الفرنسية عام 1789. حيث حلت فكرة المواطنة بدل الانتماء الديني والمذهبي والقلبي، واصبحت الدولة هي الحامية لجميع ابنائها والضامنة لحقوقهم ولحرياتهم ولامنهم العسكري والاجتماعي.
لبنان من تلك الدول التي تعسرت الديموقراطية على ابوابها منذ العام 1943، عام الاستقلال عن فرنسا. تفرد الموارنة بحكمه حتى العام 1975، وتصارعوا مع بقية الطوائف على حكمه حتى عام 1989. عندما اقرت وثيقة الطائف التي اعادت توزيع السلطة بين طوائفه ومذاهبه مع افضلية للطائفة السنية.
شكل اتفاق الطائف املا للبنانيين بمستقبل افضل عندما نص على ضرورة المباشرة بالغاء الطائفية السياسية، وبالغاء طائفية الوظيفة، ومداورة وظائف الفئة الاولى بين المذاهب، وغير ذلك من اصلاحات. لكن امراء المذاهب وملوك المؤسسات الدينية وقفوا سدا منيعا في وجه اي اصلاح قد يطيح امتيازاتهم المادية والمعنوية، على رغم هجرة اللبنانيين الكثيفة الى خارج الوطن هربا من سوء الاوضاع وتخلصا من هذا النهج المتخلف في الحكم وفي الحياة العامة.
وليد بك جنبلاط هو احد زعماء الطوائف الذي يريد المحافظة على مصالحه ومصالح الدروز، وهو، وان كان الاشهر في سهولة الحركة وتبديل المواقف بسبب خفة وزن ابناء طائفته لبنانيا، فانه ليس الوحيد في ذلك، فكلهم في التعصب المذهبي، والخطاب التعبوي، وادعاء العفة، و"الغيرة على الوطن" سواء. احتمى وليد جنبلاط بالفلسطينيين، فلما رحلوا احتمى بالسوريين، فلما رحلوا اعتقد ان الدولة اللبنانية تحميه، مع انه من المساهمين في عدم قيام هذه الدولة. ثم جاء "التسونامي" الشيعي في 7 ايار 2008 فأنهى مفهوم الدولة ومسح اتفاق الطائف، واحل محله اتفاق الدوحة الذي اعطى كل زعيم مذهب حق النقض "الفيتو" في مجلس الوزراء ومجلس النواب، وعند توزيع المناصب والغنائم. وكأننا الدول الخمس الكبرى في مجلس الامن الدولي. وهكذا تجمدت مصالح البلاد والعباد، وعم الهدر والفساد.
حوصر وليد جنبلاط في عقر داره في كليمنصو، وهوجمت مناطق طائفته من بشامون وعرمون وحتى قمم الباروك، ولم تفعل له الوعود والاساطيل الاميركية شيئا. وكذلك ظهر عجز الاموال السعودية والبلاغة المصرية. قرر اخيرا ان يرتمي داخل فم الاسد حماية له من انيابه ومخالبه.
هو ليس يساريا كما قال يوم الاحد الماضي، حيث لم يبق في لبنان يسار يعتمد عليه، فالشيوعيون نالوا في الانتخابات الاخيرة 7000 صوت في كل لبنان. اي نصف عدد اصوات عشيرة آل زعيتر او آل العيتاني، او عدد ناخبي قريتنا الفاكهة في البقاع الشمالي. ولولا ضغط سوريا والمونة على حلفائها لكن القوميون السوريون زوبعة في فنجان. وكل اليسار اللبناني، بما في ذلك الفصائل الناصرية العشر في لبنان قد يتساوون مع آل زعيتر او آل العيتاني عدد ناخبين على الارجح.
يوم الاثنين اعلن وليد بك انضمامه الى رئيس الجمهورية، مع ان فخامته لم يعرف عنه يوما انه من تلاميذ المارشال جوكوف، او محبي تشي غيفارا. لكن يوم الاربعاء جاء بالخبر اليقين: اريد ان يتفهم الجميع وضع الطائفة الدرزية!!
هذه هي البوصلة الحقيقية لمواقف وليد بك جنبلاط وسواه من امراء الطوائف: المصلحة الشخصية ومصلحة الطائفة: وليسمح لنا من سارع من قوى اليسار الى الترحيب بعودة وليد بك الى ارض اليسار، اذ لا يسار في لبنان ولا يمين ولا وسط. بل تجمعات وتحالفات مذهبية ومالية تنتظر الفرج دائما من اسطنبول، او واشنطن، او الرياض، او طهران، او دمشق، واحيانا من تل ابيب.
طارق سكرية- عميد ركن متقاعد