#adsense

مصارحة برسم الجنرال

حجم الخط

مصارحة برسم الجنرال

من البديهي التأكيد أن للجنرال ميشال عون كل الحق في أن يكون كما يشاء، وأن يقول ما يحلو له، وأن يحالف ويعارض كيفما تهبّ رياحه. ولا منّة ولا شكوراً.
مع التذكير ان حريته في هذه "الحقول" تنتهي عند حدود حرية الآخرين، وعند حدود مصلحة لبنان التي هي فوق كل مصلحة. وهذا أضعف الايمان.
الا ان ذلك لا يمنع من الاعتراف انه كان في إمكان الجنرال ان يكون المنقذ. ومن موقعه الحالي يستقطب حوله الاهتمام السياسي والصحافي والشعبي، محلياً وعربياً ودولياً. ويجيّره لإنجاز عملية بناء الدولة والمؤسسات.

ويكون هو المرجع الذي يحجّ اليه الحكام والقادة، عندما تدور الدوائر على الوطن، وحين يتعرض الائتلاف الوطني لأية هزة او اي اعصار.
لا احد يكنّ لميشال عون العداء المجاني، او لمجرد اعتلائه عرش الزعامة المارونية. بل على العكس تماما كانت الصورة، وكان الاقتناع، وكان الرأي العام اللبناني المختلط، وكان رأي بعض المسيحيين والمسلمين الآخرين.

وبعضهم ظنّ انه سيحتل مرتبة الجنرال ديغول ويتنكّب دوره بطبعة لبنانية منقّحة.
وعلى الراحات كانت العودة التي لم تلبث ان تحولت حلم ليلة صيف.
واذا بالجنرال يفاجئ اللبنانيين، بكل طوائفهم وفئاتهم، انه اصبح جنرالا آخر، غير ذاك الذي زحفوا الى مقره في قصر بعبدا تحت وابل من القصف والموت المحتّم، وبما ملكته أيمانهم من أساور وخواتم ومدّخرات قجج الاطفال والشيوخ.

ذلك امر يعنيه ويخصه ايضا، انما للتذكير.
وللقول لرئيس "التيار الوطني الحر" انه ليس بالشتائم والسباب والتهجمات والمفردات الساقطة من القواميس والعبارات المهينة والمشينة، تتحقق الطموحات ويحيا لبنان.

وليس بهذا الاسلوب المتوتر الذي لا يفارق طلاّته التلفزيونية، ولا بهذه الهجائية والاتهامات والتحديات التي يوزعها يميناً ويساراً، وبعبارات ونبرات وحركات لا تليق بالجنرالات السابقين ولا بمن توجه اليهم.
لا، ما هكذا تورد الابل يا جنرال. ولا هكذا يكون الزعماء والقادة والجالسين في كراسي الكبار.

وفي هذه المرحلة المصيرية اكثر ما يحتاج اليه لبنان رجالات بهذا المعنى تماماً. رجالات يحملون همَّه في قلوبهم، لا همَّ ذوي قرباهم.
رجالات لا يرتضون لأنفسهم ان يتسببوا، عن قصد وتصميم، بالاذى وربما بالخراب، وربما بما هو اشد وادهى، وعلى حساب بلدهم المطموع به، والمحاصر بالاحقاد والضغائن.

امس تابعتك في مؤتمرك الصحافي. وللمرة الاولى. وسمعتك بانتباه. وشاهدت تعابير وجهك وحركات يديك.
صدقني، لم اصدق ما سمعت وما رأيت. ولم اصدق ان هذا الكمّ الهائل من الكلام غير المقبول وغير المألوف يمكن ان يكون مخزنه صدرك وقلبك. ولم اصدق انك تقبل من نفسك ان يصدر عنك، ولو في لحظة نرفزة وتخل.

كان اللبنانيون، حتى اولئك الذين يختلفون معك في كل شيء، يودون ان يسمعوا كلاما مطمئنا، يشيع في النفوس الامل والطمأنينة، ويشجع على التفاؤل والتعلّق بأهداب الاستقرار والهدوء والتقدم والتطور…
يودون ان يسمعوا كلام رجل دولة، كلام رئيس حكومة سابق، كلام قائد جيش سابق، كلام قائد تيار مسيحي، كلام زعيم وطني، يذكّرهم بأولئك القادة التاريخيين الذين كانوا يتنازلون حتى عما يملكونه فداء وحدة لبنان، وحريته، واستقلاله، واستمراره نموذجاً ورسالة.

فماذا أسمعتهم؟ وماذا ردّدت على البث المباشر؟ وماذا تقول الآن لنفسك وأنت تستعيد مشهدك وكلماتك وانفعالاتك؟
يا جنرال، أما آن أوان الالتفات الى لبنان الواقف على شفير الهاوية، ولو على حسابك وحساب من لك، وأنت من أنت وحيث أنت، وحيث يجب أن تكون، وتمدّ يد التعاون للرئيس المكلف سعد الحريري؟

لن نراجع كل الكتاب، وكل الصفحات، وكل المؤتمر الصحافي الاخير. فأنت أدرى وأعلم.
ندعوك، فقط، الى ان تراجع هذه المسيرة الطويلة، وتقارنها بما أعطت لبنان سلباً وايجابا،ً وبما لا يزال مطلوباً منك تسديده لبلد لم يبخل عليك بأغلى ما عنده.
ولا يزال في المجال والوقت متسع لـ"عودة" ديغول لبنان من متاهته وتيهه. من القلب هذا التمني.

المصدر:
النهار

خبر عاجل