نقطتا تمايز في مواقف 8 آذار بعد شروط عون:
استعجال تأليف الحكومة والضغط بعامل الوقت
تبرز نقطتان متمايزتان في مواقف الافرقاء في قوى 8 آذار من الشأن الحكومي، مع ان اياما قليلة فصلت بين مواقف ركنين اساسيين فيها. احداهما تتعلق بالالحاح الذي شدد عليه الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله في خطابه الاخير على ضرورة التعجيل في تأليف الحكومة للرد على التهديدات الاسرائيلية، في حين ذهب النائب العماد ميشال عون الى استبعاد تأليف الحكومة الى ما بعد انطلاق الموسم الدراسي الذي يفتتح هذه السنة بعد عيد الفطر. والنقطة الاخرى تتعلق باصرار عون على اعتبار ان الصيغة الحكومية التي اتفق عليها قد نُسفت ولم تعد صالحة، في حين اصر رئيس مجلس النواب و"حزب الله" على التمسك بهذه الصيغة وعدم تبدلها بالمواقف التي اعلنها النائب وليد جنبلاط، الامر الذي يثير تساؤلات اذا كانت مصلحة "حزب الله" الا تتألف الحكومة، وماذا سيكسب من التأخير او بالاحرى من التعطيل الذي تبناه العماد عون صراحة، ام هي لعبة استدراج للخارج الاقليمي للتدخل مجددا في الشأن الداخلي لاظهار عجز اللبنانيين عن تأليف الحكومة، ام ايضا هي تغطية لمحاولات ضغط اقليمية على الرئيس المكلف تأليف الحكومة سعد الحريري انطلاقا من اللعب على عامل الوقت لاستنزافه قبل انطلاق الحكومة، او ايصاله ضعيفا في رئاستها. والحال نفسها تنسحب على وضع رئيس الجمهورية الذي ينتظر بقوة تأليف الحكومة من اجل اطلاق ورشة اصلاح اداري يأمل في حصولها مع هذه الحكومة التي يمكن ان تعتبر الاولى في عهده، بعدما كانت الحكومة السابقة برئاسة فؤاد السنيورة حكومة انتخابات في الدرجة الاولى، وحكومة الثلث المعطل بعد اتفاق الدوحة. والتشاطر يتم على قاعدة التصعيد ضد رئيس الجمهورية كي يضغط على رئيس الحكومة المكلف من اجل التنازل في اعطاء الحصة الوزارية المطلوبة وانهاء التأليف بسرعة، باعتبار ان الرئاسة الاولى متضررة ايضا من استهدافها، ولكن ليست هي من يقدم التنازلات بل الرئيس المكلف.
مثار هذه التساؤلات ان المواقف الاخيرة لرئيس "تكتل الاصلاح والتغيير" حملت عنوانا واضحا يقضي باستعمال عامل الوقت واستنزافه في عملية عض للاصابع يفترض بالمسؤولين عن الحكومة، اي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف، التنازل اولا امام الآخرين من اجل تأمين ولادتها، وذلك في حين يعتقد كثر ان من مصلحة "حزب الله" التعجيل في تأليف الحكومة كي تؤمن له شبكة امان شرعية بحيث تتحمل الحكومة المسؤولية عن سلاحه عبر بيانها الوزاري في حال حصول اي مشكلة او اذا اقحم لبنان في اي عملية عسكرية. فعلى رغم استبعاد الامين العام لـ"حزب الله" السيد نصر الله حربا تشنها اسرائيل على لبنان في المستقبل القريب جدا، فان هذا الامر ليس مضمونا على نحو كامل، وباب المفاجآت يبقى مفتوحا في كل وقت. والحكومة الجديدة برئاسة الحريري من شأنها ان تغطيه دوليا واقليميا على حد سواء. وتشديد نصر الله على الوحدة الوطنية حول المقاومة مسألة جوهرية لانه يتعذر على الحزب عمليا خوض اي مواجهة من دون هذه الوحدة، خصوصا بعدما فقد الكثير من موقعه بعد حرب تموز 2006 وانقسام الدول العربية حول المسؤولية عن انطلاق الحرب واسبابها، وبعد المواجهة مع مصر في المدة الاخيرة.
اضف الى ذلك، ان التساؤلات تنطلق من واقع مبدئي هو ان سوريا حمت نفسها امام الخارج من التدخل في تفاصيل تأليف الحكومة بعدما اتفق على الصيغة البديلة من الثلث المعطل، ولانشغالها بتقديم اوراق اعتمادها الى الغرب مجددا من اجل استعادة موقعها في المنطقة. والحال نفسها مع ايران التي يفترض انها وافقت على الصيغة الحكومية في المبدأ عبر استمرار تمسك الحزب بها للحؤول دون توظيف صراع او تجاذب سني – شيعي مباشر، في حين لا ينقص ايران في ظل الازمة الداخلية التي تعيشها منذ انتخاباتها الرئاسية في حزيران الماضي، فتح ابواب ازمة مع محيطها غير ازمة ملفها النووي وتمددها في المنطقة. ولكن يطرح استمرار الحزب في دعم كل شروط عون علنا، السؤال عما اذ كان هذا الدعم هو بمثابة مواجهة بالوكالة عبر الطرف المسيحي الحليف، باعتبار ان المشهد السياسي يكرر نفسه مع تجارب سابقة مماثلة في العامين الماضيين، وما اذا كانت هناك مراهنة على عامل الوقت لسبب ما، او ان هذا الدعم يقتصر على اعادة الوزير جبران باسيل، اضافة الى وزارة الاتصالات الحيوية بالنسبة الى الحزب.
لكن مصادر قريبة من المعارضة تقول ان عون احرج حلفاءه ايضا تحديه لخصومه في المبدأ في ضوء التساؤلات التي لم يعد الرئيس بري يستطيع طرحها حول عدم التعجيل في تأليف الحكومة كأنما الكرة في ملعب الرئيس المكلف، وكذلك في ضوء التناقض الواضح في النظرة الى اهمية الحكومة راهنا والاسراع في تأليفها بالنسبة الى "حزب الله" وعدم اهميتها بالنسبة الى حليفه، فضلا عن اقفال الباب على كل التساؤلات المطروحة، الامر الذي يمكن ان يحفز الحزب للتدخل على خط الوساطة التي وعد بها بعدما هدد خطاب عون بالدخول في مرحلة ازمة، فيسعى "حزب الله" الى ضمان وزارة الاتصالات لباسيل مجددا من دون الشروط التعجيزية الاخرى لحليفه على ما تتوقع المصادر.