#dfp #adsense

دولة الكلام… وحبره !

حجم الخط

دولة الكلام… وحبره !

في استطاعة كلمة عاقلة وهادئة ومسؤولة، وخصوصا مسؤولة، ان تردّ عاصفة هوجاء من الغضب الساطع والكلام اللاهب والقصف غير المبرر وقد طاول كل الاتجاهات السياسية والاعلامية.
وهكذا قبل ان ينحسر دوي المؤتمر الصحافي الذي عقده الجنرال ميشال عون اول من امس، وقال فيه ما يجوز وما لا يجوز، واستعمل في خلاله من الكلمات والتعابير ما يليق وما لا يليق اولاً به كزعيم وسياسي وقائد مرموق، وثانيا بغيره من الذين استهدفهم، من قمة السلطة الى رجال الاعلام والصحافيين.

فعلا ، قبل ان ينحسر غبار التعمية وركام الاهانات ودفق التجنيات، جاء الكلام الهادئ من عند الرئيس المكلف سعد الحريري كأنه "دولة الكلام"، ليلقي مياها باردة على "الجداول البركانية" المنحدرة من تلال الرابية، بما يعيد الامور الى نصابها الطبيعي، ويؤكد بالتالي ان كل العواصف المفتعلة والعوائق المصطنعة والعراقيل المبتكرة، لن تتمكن من اختراق سياسة الصبر والمثابرة والصمت والتأني التي يطبقها، محاذرا الوقوع في المقارعات و"المشارعات" والمزايدات والفبركات والاتهامات والتجنيات والاضاليل، وحتى في وصول البعض الى امتشاق فظاظة التعبير وغلاظة الكلام الموجَّه اليه خطابة او كتابة والفبركة وراء الستار واحدة، عليم الله!

❑ ❑ ❑

كان وسيبقى واضحا ان هدم هيكل الحكومة على رأس اللبنانيين لن يفيد احدا. وكان واضحا وسيبقى، ان في لبنان دستورا واضحا وجليا يتعين احترامه والاحتكام اليه. وكان واضحا وسيبقى ان سياسة "الهوبقة" والصراخ لا تبني وطنا، ولا تحل ازمة، ولا تشكل حكومة، ولا تترك فلسا يدخل الى هذا البلد السعيد.

وبغضّ النظر عن كل هذا، لم يكن من مصلحة الجنرال عون الذي نكنّ له الاحترام، صدق ام لم يصدق، ان يقرأ الناس امس كلامه الملتهب والغاضب جنبا الى جنب مع الكلام الصادر عن مكتب الرئيس المكلف (مع تشديد على كلمة الرئيس) سعد الحريري، وهو كلام موزون هادئ ومسؤول ركز على ثلاثة امور اساسية:

❑ اولا: ان الدستور اللبناني يوضح تماما صلاحيات الرئيس المكلف الذي عليه ان يشكل الحكومة بالتعاون مع رئيس الجمهورية، وهذا يعني انه ليس صندوقا للبريد التوزيري ولا "باش كاتب" عند زعماء الكتل النيابية.

❑ ثانيا: ان الرئيس المكلف مارس بأمانة صلاحياته الواضحة انطلاقا من الدستور، وعلى قاعدة ما اعلنه قبل التكليف عن حرصه على حكومة تلمّ شمل الجميع وتكون قادرة على العمل. بما يعني انه سبق المعارضين في الدعوة الى قيام حكومة وحدة وطنية، كان قد عدد مسوغات قيامها وضروراتها في خلال المعركة الانتخابية.

وبرغم كل ما قيل ويقال، ومن موقع المسؤولية والاتزان واحترام قواعد العمل السياسي الوطني، فان الرئيس المكلف، كما يقول البيان:
"لم يخرج ولن يخرج في اي وقت من الاوقات لا عن الدستور ولا عن الصلاحيات. واذ يعتبر ان من حق كل فريق سياسي تقديم ما يريد من المطالب الا ان تأليف الحكومة يبقى من صلاحيته بالتعاون مع رئيس الجمهورية".

❑ ثالثا: الرئيس المكلف يرفض الانجرار الى اي سجال سياسي عقيم لا طائل منه، وخصوصا ان مثل هذه السجالات يمكن ان تسمم الأجواء في البلاد وتوتر حياة اللبنانيين وتعطل مصالحهم المعيشية، وخصوصاً ان لبنان يشهد الآن موسماً سياحياً مزدهراً ليس من الحكمة او المسؤولية في شيء القيام بتعكيره وتسميمه.

فعلاً كان مفيداً جداً ان تصل "الجداول البركانية" اللاهبة الى بحيرة الكلمات الهادئة والباردة والمتزنة، على الأقل ليعرف الناس الذين "طلع دينهم" في هذا البلد المتعوس، ان هناك بعد من يتحمل المسؤولية ويسهر عليها في كثير من الهدوء والتؤدة والصبر، ودائماً على قاعدة الايمان بما كان يردده والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري زمن التجني عليه من أنه: "لا يصح إلا الصحيح"!

❑ ❑ ❑

واذا كان سعد الحريري يصر على ملازمة الهدوء وطول الأناة والصبر وهو ما تتطلبه قواعد المسؤولية، فإن نقيب الصحافة الزميل الكبير محمد بعلبكي، الذي له باع أيوب وصبر أيوب، وقد حباه الله دائماً ببحر من الود والحبور "يلاطم" به الآخرين، وحتى العزّال منهم، وجد أمس ان ما قيل عن الصحافة والصحافيين تجاوز كل الحدود.

ففي بيان مقتضب وغاضب بدا كأنه يرد على الجنرال عون من دون ان يسميه قال:
"ما تتعرض له الصحافة من تهجم وتجن من جانب بعض السياسيين، الذين لا يكتفون بنعتها بأبشع النعوت، بل يسمحون لأنفسهم بأن يحاولوا ارهابها بالتهديد والوعيد والويل والثبور إن هي خالفتهم الرأي او تجرأت على ألا تنصاع دون مناقشة لاهوائهم وما لهم من مصالح قد لا يكون لها في كثير من الاحيان اي صلة بمصلحة الوطن ومصلحة اللبنانيين الحقيقية.
وليس لأحد اياً كان أن يخاطب الصحافة اللبنانية الا بما تستحق من الاحترام والتقدير لرسالتها النبيلة ودورها الاساس في بناء لبنان الحضاري ولن ينال من قدرها ثورة غضب تبتعد بصاحبها عن التزام الحد الادنى من المسؤولية".

مثل هذا الكلام المسؤول ايضاً لا يستهدف منة او شكوراً. فقد آن الأوان ليفهم الجميع ان الصحافة في لبنان ليست مكسر عصا لأحد، وهي التي دفعت الدم ثمناً للحرية المتاحة لكثيرين، وبينهم اولئك الذين يريدون ذبح حرية الصحافة والصحافيين.
لكن السؤال:
متى تتجاهل الصحافة ووسائل الاعلام حتى ذكر اسم اولئك الذين دأبوا على التنكيل بها، فترسلهم الى عتمة النسيان والتجاهل؟!

المصدر:
النهار

خبر عاجل